أبواب

وقفة أخلاقية

زياد العناني

ثمة موقف أخلاقي يجب أن تعلنه الأنظمة العربية التي تعتقد أنها ملكية أو ديمقراطية أو شبه ديمقراطية يؤكد أنها مع الشعوب العربية، وليست مع الأنظمة القمعية في كل من ليبيا واليمن وسورية.

ليس كافياً أن يتم استدعاء السفراء للتشاور ولا يمكن أن يقتصر الأمر على مجرد رسائل تنديد خجلى أو خفيضة الصوت أو اللهجة، وذلك لأن عيون الشعوب العربية الآن تنظر وترى، بل وتبكي دماً على أولئك الذين قضوا بهجوم عسكري على مدنهم وقراهم من قبل جيش ترك حدوده واحتل بلاده في مفارقة لا تحدث إلا في عدمية البلدان العربية التي ما انفكت تعمل ضمن عقلية القرون الوسطى، وتدور في فلك الاستبداد.

تعرف بعض الدول العربية «المستقرة» حالياً أنها لن تستطيع منع السقوط الحتمي لأي نظام دموي، وتعرف أيضاً أن وقوفها أو تعاطفها أو فرجويتها أو حتى حيادها سيجعلها خارج دائرة المصداقية، ويفكك حضورها داخلياً وعربياً وعالمياً ولو بعد حين!

تعرف بعض الدول العربية، غير أن السؤال هنا ليس حول المعرفة بقدر ما هو حول الاعتقاد بأنها ستحظى بنعمة الاستقرار وتنام في منامة حريرية والدم العربي يسيل عن يمينها وعن شمالها؟ وهي تنتظر نهاية القمع المكثف أو نهاية الجزء الثائر من هذا الشعب أو ذاك، والاكتفاء بالتعبير عن الاستياء مع الاصرار على البقاء في منطقة المخاوف الأمنية من دون أن يكون هذا البقاء على حساب حضورها التاريخي والإنساني معاً.

في اللامفهوم السياسي كيف تغامر بعض الأنظمة بتقدير فناء شعب ولا تغامر برحيل رئيس؟ ولماذا لا تتخذ بعض المواقف التي تؤكد أنها مع الشعوب العربية حتى تضمن على الأقل أنها مع شعبها، وأنها أنظمة حية متجددة متأثرة ويمكن أن تتطور باتجاه الدولة المدنية، ويمكن أن تحتفظ برأسها وبقية أطرافها تحت مظلة الإصلاح وليس تحت يافطة المخاوف والشعارات.

ربما آن الأوان لكي تدرك الأنظمة العربية أن الوجود في صف الشعوب ليس هزيمة وليس رضوخاً وليس اغتباطاً بتقديم صدقة أو منحة أو زيادة على الرواتب، وانما هو موقف تاريخي يسجل لها ويجعل حتى من المتململين في جنباتها يقدرون ذكاءها في التقاط اللحظة، ويقدرون فهمها لنبض الشارع ويصدقون ما وعدت به من إصلاحات، سواء كانت قليلة أو كثيرة.

لقد تغير العالم ولم يعد من المعقول ألا تتغير هذه الأنظمة وتتجه نحو أنسنة خطابها السياسي، كما أنه من غير المعقول بتاتاً أن تبقي على اعتباراتها التي تغض الطرف عن المجرم وتماطل في القطيعة مع كل من يحاول أن يتواطأ على فساد السلطة، إضافة الى مجاملة كل مقدس دس في عتمة الليل وصار يتمتع بجذور لا يمكن نزعها.

وأخيراً لن تستطيع الأنظمة العربية المستقرة منها أو شبه المستقرة أن تمسك العصا من المنتصف، وعليها أن تنحاز وبشكل نهائي إلى جهة الشعب، لأن نهايات الأمور باتت واضحة، مثلها مثل المضمر الذي بات مكشوفاً في الفضاء العمومي، ولن تخفيه كل قنابل الدخان التي لن تستطيع أن تخفي الدم العربي الذي يسيل الآن من أجل مستقبل مشرق ومفتوح على المشهد الحضاري.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة