أبواب

الخلايا العائمة

زياد العناني

كنا نحسب أن مصطلح الخلايا النائمة يخص تنظيم القاعدة، حتى كشف ربيع الثورات العربية عن خلايا أخرى تخص الأنظمة الشمولية تزرع في وظائف عدة، منها الإعلام بهدف التورية، وقلب الصور، واستبدالها بصور أخرى.

قبل أيام خرجت مجموعة من الصور التي تصور الشعب السوري وهو يستجم في الحدائق العامة، ويتسمع إلى الأغاني الوطنية في غاية إعلامية بئيسة تريد أن تؤكد مساحة مفردة الأمن والأمان، كما تؤكد أن سورية «الآن» تعيش أجواء هادئة، وأن جثث القتلى المنتشرة هنا وهناك ليست في سورية، وأن الدبابات التي تسحل الشوارع والناس ليست لحماة الوطن.

هكذا صور الشعب السوري، وصورت مطالبه الجادة بالكرامة والديمقراطية، وأحلامه الساعية إلى دولة مدنية، بدلاً من الدولة الأمنية، وكأنها مجرد لعبة من صناعة مجموعة ضالة من المهربين والخارجين على القانون الذين قدر لهم أن يلعبوا بالملهاة والمأساة، ويتسببوا في حالة من الانفلات الأمني أضرت كثيراً بالبلاد والعباد، وعليه كان لابد من فتح شدقي الموت وقتلهم، لأنهم عصابات إرهابية صنعها الاستعمار الأميركي والصهيوني وبعض الدول المجاورة.

منذ ثلاثة أشهر، لم يلتقِ الرئيس السوري بأحد، ولم يستعن بالخارج إلا بثلة تضم نحو 120 شخصاً يمثلون فعاليات سياسية وثقافية معتمداً عليهم كي يبشروا وينطقوا بأمجاده، ويعربوا عن تفاؤلهم بما اتخذه من سلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية عبر طمس ونسيان ماحدث وما يحدث بالفعل، والرد بالتكذيب على التقارير والصور التي تروج لها القنوات المضللة بتقارير تبين مدى اعتماده عليهم في تجميل هيئة النظام، وغسل الدم عن يديه، واستثمارأ خبرتهم الطويلة في ابتكار الحجج والحيل وصناعة الأساليب التي تقلب الحق باطلاً ضمن موجز شعاري يخادع الرأي العام بحقيقة القائد الضرورة في عصر يستطيع فيه الشعب أن يتداول السلطة عبر أكثر من قائد يقدم اقتراحه السياسي ثم يمضي الى بيته، لكي يرتاح كما هو الحال في دول العالم المتمدن. إلى هنا لم يكتفِ أزلام الرئيس بالتشويش الإعلامي على كفاح الشعب السوري، بل إنهم خرجوا في أغاظه أخرى قبل أيام وضربوا بعض المعتصمين أمام السفارة السورية في عمان تحديداً في تغيير طارئ تجاوز الكلام إلى الحجارة، لكي يتأكد المضروب أن الأسد يحارب المؤامرة، وأنهم جزء من هذه المؤامرة يتوجب أن يعاملوا معاملة المجموعات التخريبية الطاعنة في مواجهة النظام، وفي أعمال القتل والحرق والتخريب والتدمير التي لا يمكن أن يكون هدفها الإصلاح ومصلحة الوطن، حتى اتسعت دوائر البلطجة وصارت تأخذ أبعادها ضمن لعنة «الفراغ الممتلئ» التي تنتج وتبث وهي تضحك في الأذن وعلى العين دون خجل.

بصراحة تامة منذ بداية الاحتجاجات لم ينوِ النظام السوري الاعتراف بالحقائق كاملة أو حتى ناقصة، وظل يفضل قلب الطاولة على الرؤوس، لأن ما يريده الشعب لا يريده ولن يتعامل معه، لأنه كان ولم يزل يعتبر أن الوطن هو النظام، وأن الشعب ليس جزءاً أساسياً من مكوناته، ويمكن الاستغناء عن نصفه أو تحريكه نحو المراد بمجرد صورة أو منبر قذر يخفف الوطء عنه وعن إمعانه في احتقار الإنسان، حتى لو تطلب الأمر الانخراط في تحلية المرارة ونبذ الأدلة والبراهين، والجنوح التام نحو إعلام المناورة والردح البلدي الذي لا نسمع غيره حين ننظر إلى خريطة الدم التي راحت تلوّن الناس والمدن.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة