أبواب

كان وأخواتها

زياد العناني

في الدرس اللغوي تُعد «كان وأخواتها»، من الأفعال الناقصة، وقد سميت ناقصة لأنها لا تكتفي بمرفوعها، وتحتاج مع المرفوع إلى منصوب.

في الدرس السياسي كان على الرئيس المخلوع حسني مبارك أن يجلس في صدر التاريخ، أو على مقربة من أبوابه، بدلاً من التمارض والجلوس مع أطباء عدة من الشفقة.

في الدرس السياسي ايضاً كان على شقيقه زين العابدين أن يستريح، ويجلس معززاً مكرماً في بلاده، لو أنه كف يده عن التسلط والسلطة، ومثله بحسب الظرف لا أكثر كان على الرئيس علي عبدالله صالح، الذي أمسى في العناية المركزة بعد قنبلة «جامع النهدين»، ألا يمتثل لقول الشاعر:

فقلت يمين الله أبرح قاعداً          ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

أما آخر، فماذا عليه لو انه ظل طبيباً يعالج من بات وفي عينه قشة أو قذى، وكذلك القذافي الذي قيد كل أفعال حياته بوقت مخصص، كأن نقول: أضحى العقيد أو أمسى!

على كل حال لن نستغرق كثيراً في صور «كان وأخواتها» لأن ما يهمنا هنا أصلاً هو أنها قد لا تدل على الاستمرار والثبوت في مجالات كثيرة، من بينها الحكم أو التمتع بالحياة الدائمة.

ثمة ذكاء تاريخي مفتقد في كل اللعبة نسمع به ونراه وهو ينعكس على سلوك زعماء لم يدخلوا حصة الدرس، واكتفى بعضهم بتعليم قليل حول إدارة المذبحة، وكيفية كسر العمود الفقري للوطن.

وفي المقابل، ثمة إهانة لهم ولنا لم تزل ماثلة، وتسند جذعها إلى ضيافة الكرامة المتآكلة في عقود ظلت فيها تسمية المواطنة برسم البيع من جهة، أو معتقلة ومؤطرة تحت صورة القائد وتساق بالعصا من جهة أخرى.

ليس مهماً الآن أن يحاكم هؤلاء الزعماء في محكمة الشعب، لأنهم حاكموا أنفسهم بأنفسهم، وقبلوا خوفاً بالدخول إلى متحف اللعنة مع كل ملفاتهم السوداء بلا ممانعة، مثلما قبلوا بأن يكونوا بلا ضمير وطني ينغر في صدورهم الشخصية التي لم تتسع للحب، وبقيت في مناخ الدم والدبابة والمدفع، مستفيدة من وعورة الحوار مع القوة.

لا يزال المجال متاحاً أمام بعض الأنظمة العربية للحؤول دون تكرار ما حدث مع الأخوة الأربعة، وعدم تجريب أفكارهم عديمة الرحمة، وممارساتهم المحرمة، ورغبتهم في احتكار وليّ أعناق الولاية العامة التي يفترض أن تكون لرئيس وزراء منتخب يخضع للمساءلة، ولا يتمتع بأي حصانة لا اسم لها سوى الخداع.

وأخيراً لابد من العمل بالسرعة القصوى لتفعيل الإصلاح البنيوي، ورسم الاستقرار الداخلي بألوان الديمقراطية، وإطلاق الحريات، واحترام المواطنة، واعتماد العدالة في تطبيق القانون، وعدم معاملة الشعوب معاملة الدمى، واستبعاد المناورات السياسية والأمنية المعتمدة على الزعران والشبيحة والبلطجية والشقوات وجيوش الشبهات، التي كانت تسمن لمنازلة العدو التاريخي أو الأصلي فإذا بها نسخة كربون عنه، باستثناء فرق واحد يكمن في أنها مخصصة للاستعمال الداخلي في لعبة القوانين العرفية والإقصائية المستبعدة دائماً لهواجس التغيير، والمستندة إلى تداول الدم بدلاً من تداول السلطة.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة