كل جمعة

نحن وشاكيرا.. وبرشلونة

باسل رفايعة

لا يمكن لنا أن نلوم المغنية الكولومبية شاكيرا على وصفها إسرائيل بأنها « أم الحضارات والروحانية »، لا هي ولا صديقها مدافع برشلونة جيرارد بيكيه، الذي تصطحبه هذه الأيام ليبكي بحرقة عند « حائط المبكى »، بوصفه أثراً أخيراً من خرافة « هيكل سليمان ». ومن قبلهما كان مدرب برشلونة جوزيب غوارديولا، يقضي إجازة مع صديقته الإسرائيلية في القدس المحتلة.

لا لوم على الثلاثة، فهم بين مغنية لا تعرف شيئاً عن التاريخ، ولم تقرأ في حياتها عن عصابات تحركها عُقد نازية أمعنت ولاتزال قتلاً وتهجيراً في شعب يدفع كل يوم ثمن التكفير الأوروبي عن « الهولوكوست ». ثم هناك لاعب كرة قدم ومدرب لا يهمهما في الحياة أكثر من قراءة الصفحات الرياضية، ومشاهدة المباريات، وإسرائيل بالنسبة إليهم دولة، مثل أي دولة في العالم، ومعنى أنها على عداء مع العرب فليس لذلك تفسير سوى أن العرب على باطل، فصورتهم في الإعلام العالمي كفيلة بتأييد كل معتقد.

العرب نحو 300 مليون نسمة، والإسرائيليون نحو خمسة ملايين، واليهود في العالم لا يزيدون على 15 مليون نسمة. والثلاثة يعرفون أن إسرائيل احتلت فلسطين، بدعم دولي، ويعرفون سطوتها في العالم، وهذه معلومات عامة، لا تحتاج إلى مكتبات وثقافة عميقة، لكنهم، ببساطة متناهية، غير معنيين بالعرب.

نحن فقط، شيباً وشباباً، معنيون بشاكيرا، بل ومهووسون بها، وعندما كانت في عواصم عربية كثيرة أدت إلى استنفار أمني كامل، بسبب ازدحام المعجبين في المطارات، وفي خط سيرها، وفندقها، وحفلاتها، ولن تتغيّر الصورة إذا زارت بعد إسرائيل بلداً عربياً، فسنكون في ضيافتها واستقبالها، إن لم يكن لأي سبب يتعلق بفنّها، فسيكون للدماء العربية التي تجري في عروقها!

أما نادي برشلونة، فعدد مشجعيه في العالم العربي يفوق مثيله أضعافاً مضاعفة في إسبانيا، وربما في أجزاء أخرى من العالم، وفي الأردن مثلاً، وعلى مقربة من فلسطين، هناك تخندق اجتماعي حاد بين مشجعي ناديي ريال مدريد وبرشلونة، كثيراً ما أسفر عن شجارات دامية.

معركتنا مع إسرائيل وجودياً وثقافياً، وليس مطلوباً من شاكيرا وبطليْ برشلونة، ولا من أي أحد أن يُقاتل نيابة عنا، ولكن أقله أن نرفع من شأن هذا الربيع العربي، ليكون أيضاً ثورة على الجهل والسلبية وازدراء الذات.

لا نريد أن نلقن شاكيرا درساً في التاريخ، ونثبت لها بأن إسرائيل منذ نشوئها على أرضنا وجثثنا في عام 1948 لم تكن « أرضاً للروحانية ». فشمعون بيرس نفسه لا يصدقها، وأجزم بأنه يعرف جيداً أنها تتملّق إسرائيل ونفوذها الكوني، ولكن أقلّه ألا نُخاطر بأنفسنا ونحن نخوض تدافعاً في كل مرة عندما تأتي شاكيرا إلى بلادنا، وأقلها أن نعرف أن وصفها إسرائيل بهذا الكذب المبين ينطوي على ازدراء مباشر لنا، وإهانة لموتانا وأرضنا المنكوبة، ثم ليرقص معها من يشاء بعد ذلك، وهي تعتلي مسرحاً في بلاد عربية لا تصلح أن تكون موئلاً لـ« الحضارات والروحانية ».

ليس كثيراً، ونحن مستعدون لخوض معركة دفاعاً عن برشلونة، أن نؤمن مثل غوارديولا المحتفل في القدس، ومثل الفتى الباكي جيرارد بيكيه، بأن لنا حقّاً إنسانياً في فلسطين، قبل الوجود، وقبل التاريخ.. وأن هذا الحق لا يهونُ إلى هذا الهوان.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة