أبواب

عصيان مدني

زياد العناني

باستطاعة الشعوب العربية المضطهدة أن تستفيد كثيراً من ثقافة العصيان المدني، وتحرج السلطات المستبدة عبر تفعيلها لهذه الثقافة، واستثمارها خياراً من خيارات المقاومة السلمية الرافضة للعنف، والساعية للتغيير بغيره من الأدوات.

وتكمن قوة العصيان المدني باعتماده على الجماهير في اجتياج ممتلكاتها العامة، والتمكن منها، واغلاق المنشآت المؤثرة، والكف عن تشغيلها في زحف متنامٍ يحيط بأعصاب النظام من الجهات كلها، ويكشف ضعفه، كما يكشف غير المرغوب بسياسته التي يراد لها أن تكون يقينية وثابتة على الدوام.

ويؤكد معنى العصيان المدني عبر تاريخه أن النظام لا يستطيع مهما كانت قوته وهو «خاص» أن يجبر «العامة» على عدم اللجوء إلى استخدامه، وفرض آلياته المتمثلة في وضع العصا في دواليب الحكومة بشكل عام لوقف نشاطها غير المعترف به أصلاً، وقطع الطرق عليها، حتى تمثل لإرادة الشعب، وتدخل في الحيط مباشرة.

لقد ظل تاريخ العصيان المدني المستند إلى فلسفة المهاتما غاندي بعيداً عن ساحاتنا العربية، رغم أنه من أهم الأدوات السياسية الضاغطة، ويمكن أن يفعل فعله في مواجهة تسلط السلطة، وكبح بطشها، وتغيير اللامعقول واللامنطقي واللاإنساني في سياستها، وإظهار عجزها، وبعثرة مرجعياتها القائمة على قهر الإنسان، وتحريف وعيه وسلوكه، وفصله عن حياته، وقد نجح العصيان في تطبيقاته في أماكن عدة، واستطاع أن يكسر إرادة الإمبراطورية البريطانية التي خضعت أمام غاندي، أو أمام حنكة الرجل الذي يشبه الهيكل العظمي من حيث المبنى، ويشبه الحياة بقوتها من حيث المعنى الكامن في إدارته للصراع في سبيل استقلال الهند، وهذا أيضاً ما حدث في جنوب إفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، وفي الثورات الملونة في الدول الشيوعية السابقة، وفي غيرها من دول العالم.

إن السلام العام للدولة يتطلب تفعيل العصيان ومحاصرة الحكومة اللاشرعية لإجبارها على الاعتراف بالحقوق السياسية والمدنية للشعب، وعدم الركون لمسموحاتها ومحرماتها، وحتى انتهاكاتها التي تؤكد ضرورة القمع والاضطهاد والملاحقة لتكريس الهيبة فقط، والتصرف بمنطق تجاوز مفهوم الدولة الذي يجب أن يختفي بقطيعة تامة مع تقبل فعل الاستبداد، وعدم التعامل مع غير دولة المؤسسات التي يتم من خلالها تداول وامتحان شرعية الحكم، ومدى شرعية وجوده القائم على ما يريده المحكوم، وليس على ما يريده الحاكم فقط.

إن من ينظر إلى ساحات الثورات العربية سيجد أنها تعيش حالة يمكن أن توصف بالتبريد يراد لها أن تتنمط وتخترق وتتصدع، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى حطام شعبي ومنازعات معقدة يجب أن ننتبه لها من خلال ضبط العلاقة بالهدف أولاً، والاتفاق على التغيير ثانياً، وفرض الإملاءات ثالثاً على سلطة غير مستعدة للاعتراف بحقوق الشعب إلا إذا تحرك المخرز في لحمها ولحمنا معاً وصرنا ندفع بغولها نحو القفص.

أخيراً وليس آخراً، على العصيان المدني أن يكون ضمن الأخلاق العمومية للشارع العربي من دون خوف على مصالح البلاد، والبكاء على اقتصادها، ومن دون ممارسة الابتزاز العاطفي الذي يصوره كما لو أنه كارثة كبرى، وذلك لأن مصالح البلاد منتهكة ومحتكرة، وتجتمع على بيدر واحد يخص من سرقوا شرط الحياة بكل شؤونها المدنية والسياسية والاقتصادية، وعاشوا على الاستئثار بها.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة