أبواب

مجالس انتقالية

زياد العناني

الذكاء السياسي الذي قاد القاضي مصطفى عبدالجليل إلى إعلان المجلس الوطني الانتقالي، ليكون واجهة لثورة 17 فبراير، التي اندلعت ضد نظام العقيد معمر القذافي، يجب أن يعمم في ربيع الثورات العربية، ليكون المجلس بمثابة الممثل الشرعي أو الحكومة الانتقالية التي يتوجب أن تنازع النظام البائد وتعزله على الصعيدين الداخلي والخارجي، من دون أن تبحث له عن صيغة للخروج المشرف أو تنشغل بحياته الناقصة.

اختصاراً للوقت كان على الثوار في اليمن وفي سورية ايضا عدم الاكتفاء بتكرار شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» والمضي إلى ما هو أبعد من الشعار ووضع التصورات لإنارة العتمة وإدارة البلاد والتعامل مع الواقع الجديد بطريقة تحرج دول العالم وتجعلها تدرك أنها أمام تكتل سياسي مقنع يهجس بالديمقراطية خياراً يفصل بين السلطات ويحل محل الدولة الاستبدادية ويبدد الغموض الذي يجتاح المستقبل، ويقنعها لكي تعترف به.

لكل ثورة مراحلها، والمطلوب هنا هو تقديم صورة ليست مقطعية وانما كاملة عن المرحلة الانتقالية والتأسيس الفعلي لمرحلة دستورية حقيقية، وإلغاء الأمراض السياسية المموهة وعدم التورط في لعبة التصفيات والاجتثاث والتفاهم على ضرورة تنوع الأطياف لأن من يريد بناء الدولة المدنية لا يجوز أن يقصي أي طرف ويترك للتعددية السياسية أن تفرز وتقرر ماهية المعنى الكامن وراء عنصر التغيير بوصفه معنى إصلاحياً يستمد نفوذه من الأغلبية التي اتفقت على ضرورته مصلحةً عامةً ينبغي أن تكون وتتكون في صندوق الانتخابات فقط.

لا شيء يمكن أن يمحو من حياتنا السياسية التي كانت «تهرب من المساوئ الوطنية لشعب ما لكي نتعرف إلى المساوئ المختلفة لشعب آخر» بحسب فيلسوف التشاؤم شوبنهاور، إلا صندوق الانتخابات الذي سيخلصنا ايضا من المساوئ الوطنية ويجنبنا الخضوع لأي مقارنة قد تدحر التطلعات وتهد حيل الشعب الساعي إلى مغادرة النقطة العدمية التي عاش فيها ويراد له أن يظل فيها إلى الأبد.

على الثورات العربية أن تضع الحصان أمام العربة وتعيش ديمومتها وتتجاوز مسألة الجمعة الوطنية أو الدينية، وتعيش اليومي ساعة بساعة، وترسخ نفسها بالمبادئ والمرجعيات الفكرية التي تحض على الحرية والمساواة وعدم التوقف عند مسألة لماذا اندلعت فقط! لأن اللحظة التاريخية ستعالج هذه المسألة وتتركها للمؤرخين، أما الواقع السياسي فهو الذي يفرض ويحتم علينا أن نترك الأسباب ونذهب إلى النتائج من أجل حماية المنجز واستغلال محموله العقلاني في تحسين شروط الحياة التي كانت تغدر كل يوم بسيئات الحكم الشمولي.

.. وأخيرا لابد للثورات العربية من أن تعمل وتجتهد وتحول الحلم بالحرية والكرامة إلى واقع، وذلك لأن الحلم لن يتحول إلى واقع من دون ممارسة سياسية تحيد الأنظمة القديمة التي أمعنت بإفناء الأرواح وباعت كامل حصتها بالناس، وتجردت من كل هم إنساني، واختارت مهام ومهملات الحل الأمني لأنها لم تجد في الجعبة غيره متناسية أن المواطن العربي قد ملّ، وها هو يطلق طاقته المضمرة باتجاه هدم الصنم والخلاص من كوابيسه التي عفا عليها الزمن.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة