كل جمعة

ربيع النساء

باسل رفايعة

أبرز لافتة رفعها الشارع التونسي ضدّ زين العابدين بن علي، في أول أيام ثورته، حملتها شابة تونسية، كانت تتقدم المتظاهرين بحماسة وشجاعة، وتحمل عبارة « ارحل » بالعربية والإنجليزية والفرنسية.

ولن ينسى معظمنا صوت نوّارة نجم، ابنة الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، بعد لحظات من تنحية حسني مبارك، وهي تقول لـ« الجزيرة » عبارتها الدامعة بالفرح من ميدان التحرير: « مفيش ظلم تاني، مفيش خوف تاني ».

وإلى ليبيا واليمن وسورية، شاهدنا النساء العربيات يرفعن أصواتهن للحرية والتغيير والكرامة، شاهدنا شابات وأمهات يسقطن تحت وابل رصاص القناصة، وسمعنا مسؤولين عرباً طالبوا النساء بالمكوث في البيوت، حرصاً منهم على تربية الأطفال، وسمعنا آخرين يرددون جهالات بائسة عن الاختلاط، ووجود النساء في الشوارع أيام الجمعة، ثم رأينا كيف تغضب العربيات في ربيع اختلطت فيه الدماء بالأزهار، وسقطت فيه الأكاذيب والدمى.

أمهات الشهداء خرجن من البيوت والخرافات والسجون الثقافية التاريخية إلى الميادين والحرية. ذهب الأزواج والأولاد والبنات بحثاً عن الخبز والمستقبل، فما بقاء النساء أسيراتٍ للعجز والخوف، تحت ذرائع لم تعد تصلح في هذا الربيع، وفي هذا الزمان الذي قفز عالياً على كل جمود وتخلف؟!

وقف الجنرال بكل غرور وبدائية، وطالب النساء المشاركات في المسيرات بالعودة إلى بيوتهن، لئلا يقعن في محظور الاختلاط، وكاد لشدة حرصه على ذلك، أن يحذو حذو حركة طالبان، فيقرر منع المرأة من العمل والتعليم، لولا أن عشرات الآلاف من الحرائر أعربن له عن بالغ الاشمئزاز، وطلبن منه أن يجيبهن: لماذا خرجت النساء في بلده إلى الشوارع؟ من الذي أخرجهنّ سواه؟!

نعم، لم تفوّت النساء العربيات الفرصة لمساهمة أساسية وفاعلة في صناعة زمن جديد، ومرة واحدة رفضن حبسهن في أنماط وأدوار تاريخية، وقررن أن بمقدورهن تعطيل كل ذلك، وكسر الغياب القسري، بكل هذا الحضور مع الضوء والحياة، وضدّ الجهل والإلغاء والتبعية، وتركْن جدلاً قديماً يطل برأسه من جديد على فضائيات تتنافس في إنقاذ بطالة فكرية وحضارية، لأشخاص ينهمكون في الإجابة عن أسئلة من خارج العصر، من نوع: هل يجوز للنساء المشاركة في الاعتصامات والمسيرات؟ هل أصوات المجاميع النسائية التي تعلو أحياناً على أصوات الرجال جائزة؟ وهل تُعتبر عورة أم لا؟ هل مكان النساء، وخصوصاً المحجبات، في البيوت « لتربية النشء الصالح »، أم في المسيرات، جنباً إلى جنب مع الرجال؟!

ثمة من يهتمّ بهذه الأسئلة، ويعنيه أن يجد مفتياً حكومياً جاهزاً لتحريم خروج النساء للمطالبة بحقوقهن، وليس معنياً بجوعهن وبؤس عائلاتهن، ولا يأبه لما آلت إليه أحوالهنّ في التعليم والعمل والحياة الكريمة، كل ما يعنيه أن يُحطم هذه الروح الجديدة التي تدبّ في المجتمع العربي، وأن يكسر ضلعاً قوياً في قفصه الصدري، من أجل أن يبقى هذا النصف القوي الحيوي معطلاً ومشلولاً، تحت أي غطاء أو ذريعة.

لكنّ النساء العربيات أزهرنَ في هذا الربيع، وتركن لكل من تخيفه أصواتهنّ العالية صمتاً يُداري وراءه عجزه وعورته المزمنة.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة