أبواب

لا حوار

زياد العناني

منذ بداية العام ونحن نرى كيف انكشف الحكم الجمهوري العائلي، وكيف أصبح فك الارتباط بينه وبين الشعوب ناجزاً في أكثر من بلد عربي.

ثمة سقوط فيزيائي يعيشه هذا الحكم «الجمهوعائلي» يتمثل الآن في اعتراف بعض أفراده بأن أمننا من أمن إسرائيل، وأن وجوده على رأس السلطة هو الذي يجعل وجود اسرائيل ممكناً.

هكذا أشار مبارك وأكد القذافي وعبر الاقتصادي رامي مخلوف، وهكذا وجدنا أنفسنا أمام حقيقة كنا نعرفها، ولكنها لم تأخذ بعدها ضمن دائرة احتلال خارجي تذوقنا مرارته في السابق، وآخر داخلي لم نزل نتذوق مرارته المتلاحقة.

ها نحن «بعد أن ذاب الثلج وبان المرج» ننظر فلا نرى غير كرسي دموي يتأبط حتميته ويجعل من مفردة الحرية هي العدو الرئيس لأنظمة يمكن أن تحاربنا بالدبابات والصواريخ وتذوب البعدين الإنساني والأخلاقي، إذا تطور الأمر، وصار يعني إما حياتها أو حياة الشعوب، من غير أن تفكر لحظة في أن هذه الحرب الداخلية التي تدافع فيها عن «قداسة» سلطتها قد تحتاج إلى دبابة في كل حارة ودوار ومطلع ومهبط وجامع، وآلاف المدافع ومثلها ايضاً من الرشاشات الثقيلة والصواريخ والقناصة، فما بالك ان اندرج التعداد على مساحة الوطن كله.

في الأنظمة القمعية لا مجال لعقلنة البعد السياسي، أو حتى تقبله، لأنه ليس مقترحاً مفضلاً، ففيه الكثير من المنغصات، إضافة إلى أنه يورطها في الاستسلام لكل ما تريده الشعوب من حقوق وحريات وتداول سلطة. أما المجال المحبب والمتاح، فيكمن في القتل، لأن أرواح الناس أرخص كلفة، ولأن الأرض التي تخفي الموارد الطبيعية يمكن أن تخفي حسرة الجثامين الكثيرة.

تحت أي ظرف من الظروف، لن تستمع الأنظمة القمعية لأي حوار، وذلك لأنها تطرب لهدير الدبابات التي لم يعد لها أي مكان على الحدود، وصارت تتجول مثل السيارات في المدن، وكل ما يقال في علب الإعلام عن صياغة إصلاحات جديدة قد تترجم الواقع العملي للديمقراطية والعدالة والمساواة لن يحدث في بيئة ملتبسة لم تخرج بعد من جيب الطوارئ وتقطير الخوف المركز وتخزين النيات الجهوية والطائفية «ضمانة» يجري توظيفها في غايات وحاجات ومقتضيات معدة للشعب الذي هو محض «عدو» ينبغي قتله أو استدراجه مثل الفريسة، وحشره في الهامش الضيق بكل ذريعة ممكنة.

عود على بدء، كل ما أنجزناه منذ رحيل الاستعمار الأجنبي يتمثل في وجود أنظمة ليس لها سوى شخصية أمنية تعيش بين ضفاف «البساطير»، وفي ظل «الخاكي»، وتتجلى في رسم سياسات الظلم الاجتماعي وزج الاقتصاد الوطني في جيب بنطال. ومن يعارض أو يعترض أو يتكلم عن ضرورة الحوار، يتنصل من حياته ومن صفاته، ويصبح مجرد حشرة أو مؤامرة أو علة شعبية أو مجرد رقم محذوف في مقبرة وطنية تعكس طبيعة الحوار بين هذه الأنظمة ومن يخالفها.

وبناء على ما تقدم، لا قيمة لأي حوار بين الشعوب وأنظمة القمع والتجويع، لأن الحوار مجرد فرصة للتفريط في الحقوق، وعودة سوداء إلى مربع «اللاكرامة» و«اللاحرية» واستدعاء لمرحلة الانحطاط العربي وسلطته التي اعتمدت على قوته الدموية، وليس على عقله الجامع والحاضن لأسباب الحكم العادل وتحققه.

zeyad_alanani@yahoo.com 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة