أبواب

رياح الحرية

زياد العناني

ليس لشبكة القاعدة علاقة تذكر بثورات العرب الأخيرة، ومن غير المعقول أن يقول باحث أو مفكر إنها المساهم الرئيس في تغيير قواعد اللعبة السياسية في الشارع العربي واحتداماتها المركبة.

ثمة رياح هبت من جهات عدة، والصحيح أنها رياح الحرية التي راحت تحرك الشعوب العربية بعد عقود من كوماندوهات القمع والفساد، وبعد الملل العميم من حياة افتراضية كانت مغلقة ثم انفتحت بعد تراكمات ومحفزات لم تأت من كهوف تورا بورا، ولم تكن صدى لخطابات أسامة بن لادن، ولم ترتبط بتمتعه بدماء الأجساد البريئة التي يحب أن يمزقها.

دعونا نتخطى منطقة اللعب على الفوبيا الغربية التي تمركزت بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر، وراحت ترى في الإسلام خطراً ومصدراً إرهابياً، لأن الإسلام عديم الصلات بهذه اللعبة الدموية، ودعونا أيضاً نتخطى معزوفات النظام العربي حول الخوف على الغرب من الإرهابيين الإسلاميين، وطرح نفسه متطوعاً للدفاع عنه مقابل الصمت على وجوده الأبدي في السلطة، ودعونا نمسح تلك المنطقة الرمادية التي تراكمت بين الفوبيا والمعزوفات، لأنها صارت مجرد شحنة من معلبات انتهت صلاحيتها.

لا يوجد أثر واضح لنشاط «القاعدة» في الشارع العربي، لأن هذه الحركة معنية بأفغانستان أكثر من عنايتها بزهور الشارع العربي، ولأن أفغانستان تحديداً تلبي تطلعات هذه الحركة في إقامة الحلم الكبير بمجتمع يثرب المستنسخ من أفكار عبدالله عزام الذي أثر وتأثر به أسامة بن لادن، حيث اعتقد الاثنان معاً أن مجتمع يثرب القديم أو الأصيل لايزال يعزل نفسه حتى الآن في بعديه الزماني والمكاني بانتظار أن يتكرر من دون أن يلهج بالتطور الذي تستدركه كل الكائنات الحية بلا تمييز.

إن ما يستغربه المرء المطل على فكر «القاعدة» يكمن في أن أيديولوجيا هذا التنظيم تقوم على العودة بالناس إلى عصور مضت من دون أطباق طائرة، إضافة إلى تكفيرهم، وهي تتخفى وراء نصرة الإسلام كي لا تفتضح بغواية الحكم التي قفزت على حزن العراق بدولة الزرقاوي وأبقت فلسطين ثغرة غير مستعملة في النسق التحريري، وتركت إسرائيل آمنة كأنها مشمولة بنبذ العنف وإلقاء السلاح.

لعل المنطق وحده يفرض علينا أن نرى «القاعدة» ضمن حجمها الحقيقي بعيداً عن الهلع الذي يخلفه تفجير شحنة كلامية هنا أو جسم إنسان هناك، لأن الوقت قد حان لتبريد فكرة «القاعدة» التي انسحبت من التاريخ، بعد أن انكشفت غاياتها وعدم مشاركتها ثورات العالم العربي بتلك النظرة التي تحصر غاياتها في الحرية والكرامة والتغيير واحترام حقوق الانسان، خصوصاً أن الثورات العربية ترى استحالة أن تجتمع نظرتها وصحوتها مع نوم الخلايا النائمة في أصوليتها المتطرفة التي لا تبشر إلا بالدم وبالدموع. لا يوجد بين ثوار الساحات العربية من يفكر بالإرهاب أو يتشدق بالمذهبيات أو العصبيات في هذا الزمن الذي يميلأ نحو الإصلاح والعيش ضمن شروطه المؤنسنة.

وبناءً على شروط الإصلاح لا غير يتضح أن كل من يحاول أن يحشر «القاعدة» في ساحات الثورات العربية مجرد مريض بغرض سلطوي مؤذٍ يريد أن يحذف هذا الرييع الأخضر، ويعيد الاعتبار لأنظمة الجفاف، ويوقف المسيرة التي تحررت من خدمة النظام وصارت في خدمة الوطن.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة