كل جمعة

مع الحياة..

باسل رفايعة

انتهى أسامة بن لادن، ولا شماتة في الموتى، إنما تصحّ الشماتة في الجهل الذي يُنتج العماء، ويُصرّ على ألا يرى سوى العتمة، على الرغم من وضوح الضوء، وقوة سطوعه.

الجهل المزمن الذي يجعل عرباً ومسلمين يتعاطفون مع الجريمة والمجرمين، بناء على قوالب ذهنية جامدة، لا تقبل النقد والجدل، ولا تنهار أمام الحقائق المؤكدة، والأحداث المنجزة، إذ لا أوهام ولا مؤامرات.

أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، كان رجلاً متشدداً، أباح قتل المدنيين الأطفال والنساء والرجال، من العرب والمسلمين، في العمليات الانتحارية أو الهجوم المسلح الذي يكون هدفه قتل « الكفار والمشركين »، وهو فعل ذلك حرفياً فقتل المئات من الأبرياء في الأردن والعراق ومصر والسعودية والجزائر والسودان والمغرب، وفي كينيا وتنزانيا ودول أخرى.

وظل طوال العقدين الماضيين يهدد إسرائيل بالويل والثبور على احتلالها فلسطين، لكنه لم يجرح إسرائيلياً واحداً، لكنه قطّع أشلاء السعوديين والأردنيين والعراقيين والمغاربة، بقنابل ومتفجرات استهدفت عرباً ومسلمين كانوا يسيرون في الأسواق، أو يعودون إلى بيوتهم في المجمعات السكنية، أو يتناولون عشاءهم في المطاعم، أو يحضرون حفلة زفاف، كما فعل في عمّان عام ،2005 عندما تطايرت أجساد الأطفال والنساء والتصقت بالسقوف، وتصاعدت روائح الجسد البشري المحترق، في عملية خطط لها أبومصعب الزرقاوي، وباركها أسامة بن لادن، وترحّم على منفذيها.

انتهى أسامة بن لادن، وهذا خبر جيّد لكل من يحترم حق الإنسان في الحياة، وحقه في العبور في شارع عربي من دون أن يموت بسيارة مفخخة، ولكل من يحترم أرواح الضحايا وأوجاع عائلاتهم، ونهايته أقل بشاعة من نهايات كثيرين من ضحاياه سواء العرب، أو أولئك الأبرياء الذين كانوا يجلسون في مكاتبهم عام ،2001 قبل أن تحرقهم طائرات محمد عطا، في ما سماه بن لادن « غزوة 11 سبتمبر ».

نعم، الذين ماتوا في ذلك اليوم أبرياء، ولا ذنب لهم، ولا يؤخذون بجرائر جورج بوش، وهم أيضاً لا يختلفون عن ضحايا بن لادن من العرب والمسلمين والمسيحيين، وإذا كان هناك من يُبرر تلك الجريمة بحجة أن أميركا تدعم إسرائيل فهو يتفق تماماً مع المجرم النازي بنيامين نتنياهو، بأن قتل الأطفال الفلسطينيين في المدارس جائز، عقاباً لحركة حماس!

ماذا فعل أسامة بن لادن للعرب والمسلمين ليستحق لقب « شهيد »؟ وماذا فعل للقضية الفلسطينية ليستحق موته كل هذا الغضب الفلسطيني والعربي والإسلامي؟ ألم يكن حالنا أفضل، وصورتنا أقلّ قتامة قبل 11 سبتمبر؟ ألم تكن أفكار بن لادن التكفيرية ملهمة لآلاف الشباب اليائسين والمحبطين الذين ترجموها إلى عمليات انتحارية في الأسواق والقطارات والفنادق؟

لقد انتهى الرجل، ويجب أن تسعى النخب والمجتمعات العربية إلى نعي مرحلة سوداء في تاريخها، والبحث في نهوض إنساني جديد، يجب ألا يغتاظ الشارع العربي من صورة المحتفلين بموت أسامة بن لادن في الولايات المتحدة، فمعظم هؤلاء هم من عائلات الضحايا، وموت القاتل يُخفف عزاء أهله، ويجب أن نتذكر كيف مات المئات منا بجرائمه، لنتذكر رائحة الأجساد المحترقة في السعودية، والأشلاء البشرية الملتصقة بالإسفلت في العراق والأردن، قبل أن ينتابنا الغضب لإلقاء جثته في البحر.

مات بن لادن، فلنعش نحن مع الحياة، وضدّ الجريمة.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة