كل جمعة

الشعب يريد النظام..

باسل رفايعة

لم تسقط أنظمة عربية حتى الآن. ما حدث في هذا الربيع العربي هو أن الفوضى زالت جزئياً في دول، وتوشك أن تنتهي في دول أخرى، ورحل رؤساء وطبقات حكم فاسدة وطفيلية في تونس ومصر، وعلى الطريق في ليبيا وأجزاء قلقة أخرى. ثمة محاولات شعبية منظمة، يقودها الشباب لإنهاء الفوضى وبناء النظام للمرة الأولى، بعد غياب طويل.

مفهوماً، واصطلاحاً، لا ينطبق تعبير النظام على بنية سياسية من المصالح والتحالفات الإقطاعية الجديدة بين رجال حُكم ورجال أعمال، ولصوص محترفين في كتابة القوانين تُسخر لهم مقدرات دولة، وتُسحق من أجلهم طبقات، وتُقمع حريات مجتمع بأكلمه، كما كان سائداً في تونس بن علي وزوجته وعائلته وشركائه، وكما هو راهن في دول عربية عدة، بعضها يحاول إظهار استفادته من الدرس التونسي، وبعضها، يعتقد أن الصخر والجليد على سطح القمر يتآمران على كيانه القومي، فيضع المؤامرة على هيئة عصابة سوداء على عينيه، فلا هو يرى سوى العتمة، ولا هو يفهم معنى الضوء الغامر، ومعنى أن يكون هناك ضوء يشعّ من حيث هو!

الشعوب التي تموج بها الشوارع العربية تريد النظام، وتنشده خياراً لابد منه لمواجهة الفوضى العارمة والمزمنة التي استوطنت عقوداً، وأنتجت هياكل سياسية فاسدة، لم تفهم التنمية سوى أنها مشروعات كبيرة توزع في محاصصات بين الأقارب والأصهار والمحاسيب، وليس مهماً أن يتكاثر الفقراء، وتزول الطبقات المتوسطة، وينهار كل عقد اجتماعي أو أخلاقي تبعاً لذلك.

هياكل مريضة بالخوف، يستحيل عليها فهم الأمن خارج الإصرار على إقامة دول بوليسية، منفلتة من كل التشريعات والقوانين، ومتخصصة في تكميم أفواه الناس، لحراسة الفساد ونهب المال العام، وترويع المجتمع، وتربيته على الرعب والوشوشات، كما هو المثال بعد انهيار جهاز مباحث أمن الدولة المصري الذي كان يتلصص على شعب بأكمله، ويرتكب أفظع الموبقات، ولا يشبه إلا عصابة، يتجمّع فيها تجار مخدرات وجنس.. وسياسة.

الفوضى، وليس النظام، هي التي تؤسس إعلاماً في عصر الإنترنت، يتخصص في بناء دراما من الكذب، ونشر الفزاعات الطائفية والأمنية، وتكذيب الأعين التي ترى فداحة القتل، وإهانة كرامة الإنسان أمام الكاميرات الخفية، ثم الادعاء أن تلك الصور غير صحيحة، وقديمة، بل وتنتمي إلى عصر هولاكو، أو نبوخذْ نصّر.

هذه هي الفوضى، والشعوب في الشارع العربي لا تريد إسقاط النظام، على الرغم من إيقاع هذا النشيد المذهل، إنها تريد إسقاط الفوضى التي شيّدها الحكم المستبدّ والفاسد، وتريد بناء مستقبلها، بنظام جديد، لا «يكون تاريخياً، ولا مُلهماً، ولا ضرورةً».

في دولة عربية يسقط فيها الخوف شيئاً فشيئاً، تُصنف الأجهزة الأمنية الشباب بعد اعتقالهم في ثلاث فئات: «محرضون، فيس بوك، تخريبيون». مثل هذا التصنيف يُظهر بوضوح أن الحُكم لم يكن في يوم من الأيام قائماً إلا على فوضى حقيقية ومتجذرة عميقاً.

النظام بروحه ومعناه لا يتأسس على الرعب والسجون والقناصة، الفوضى وحدها هي التي تعتاش على غياب القانون، مثلما تعتاش على التسلط والقهر.. ولكن، لحسن الحظ والتاريخ، فإنها لا تعيش طويلاً.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

 

طباعة