أبواب

التصرف بالمغامرة

زياد العناني

تكشف أرقام الأشهر العربية، وما وقع فيها من ثورات سلمية، عن سقوط بعض الأحزاب والأيديولوجيات التي استكانت، وشكلت مع السلطات حالة من الاستعصاء السياسي امتدت منذ بداية القرن الماضي إلى الوقت الحالي.

لقد ظلت الماركسية والشيوعية والناصرية والإسلام السياسي، وغيرها من الحركات، مجرد حواضن سياسية غاطسة في أزماتها، ولا تتحرك إلا ضمن مشروعات مفككة تدرج في فكرة القطيع، وفي رأس رعايته، من غير أن تنتج لحظة ممانعة، أو أي تغيير سياسي يذكر، فيما نهضت الحركات الشبابية التي لا يجمعها سوى مبدأ التصرف بالمغامرة، لتأخذ الجمل بما حمل، وتحقق أكثر من سبق في مجال كسر حاجز الخوف أولاً، وتطويع بعض الأنظمة للتفكير في إصلاحات موجعة في مجال الحريات والديمقراطية.

كل الأحزاب العربية استحقت توصيف «الدكاكين» لأنها انتكست كثيراً أمام الخطوط الحمراء، وكان الاستثناء يكمن في الحركات الشبابية التي لم ترتبط بحزب معين، أو مركز معين، وها هي في عز المشهد تتفنن باستدراج المد الثوري، وبالتعامل معه وفق حواضره في الواقع مغيرة ومتغيرة من خلال الاتكاء على مقولات تشبه إلى حد ما «طبيخ الشحاذين» ولكنها مقولات «شعبية» بامتياز وتعبر عن شرائح طفح بها الكيل وملت تسلط السلطة وعدم تداولها.

يسجل للشباب العربي اختراقهم لقاعدة مهمة كانت تتعلق بضرورة وجود التماثل الفكري والسياسي على قضية ما واجتماعهم من اليمين الى اليسار على النزعة التطهيرية وتوحيد نطقهم بالهتاف الدائم لمفردة الإصلاح،

فالاصلاح الشبابي الذي نراه الآن في أكثر من جهة ليس ترفاً، وليس مؤامرة بل تمرد عاصف بدأت بوادره تتمثل في ارتخاء القبضة الحديدية، واتضحت أكثر في محاولات السلطة اللجوء إلى الاسترضاء الشعبي، من خلال فتح الباب المغلق لتحسين الظروف المعيشية، وستتابع التنازلات، ولكن هيهات أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، وهيهات ايضا أن يتخلى هؤلاء الشباب عن المكانة الثورية والوجدانية التي باتوا يشغلونها في مناهضة التسلط والظلم والحكم المطلق الذي أدخلنا في نفق مظلم وعمّق فينا مفردة الاغتراب.

إن جوهر ما اجتمع عليه الشباب يكمن في استبعاد الأفكار الالزامية المناسبة بعد اليأس من تحققها لمصلحة التفكير في تناول الأهداف الكبرى، فكان ما كان من اتفاق على جعل مفردة الحرية مسألة حياة أو موت، يدفع قيمتها كل الأفراد، بغض النظر عن حزبهم وقبيلتهم وديانتهم. وبناء على ما تقدم، أفلح الشباب في الخروج من نمطية الكسل الحزبي وصناديقه المغلقة، ونجحوا في نبذ الاختلاف، وكرسوا الوقت لإنتاج بعض المتفق عليه في أدبياتهم إضافة إلى تمثله في الحامل الاجتماعي الذي ينتمون إليه.

خلاصة القول، إننا ومنذ بداية العام، أمام حركات تحرر شبابية ليست نخبوية استعلائية، ولا تذوب في جهة، ولا تركز على «الأنا» ولا تتخندق في خندق التنظير، أو تتلهى بالمفاهيم المجردة، وانتظار المنتظر أو المخلص، لأنها تفضل السعي بطرق غير تقليدية إلى استغلال تمردها الإنساني والسياسي في سبيل استخلاص وعي متفتح يساير النهوض والتمدن ويحض على الخلاص من إشكالية الاستبداد وتركيبة الأنظمة البيروقراطية المتعبة.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة