كل جمعة

دولة الـ « فيس بوك »

باسل رفايعة

يزيد عدد سكان دولة الـ« فيس بوك » الشعبية الديمقراطية، التي يتزعمها مارك زوكربيرغ، وتأسست عام ،2004 على 450 مليون نسمة، وهي بذلك تنافس الصين والهند، وسكانها مثل سكان العالم يعانون مشكلات عامة كالفقر والبطالة والأمراض القومية والطائفية والتطرف.

لكنها دولة آمنة، يقلّ فيها الخوف، تبعاً للمكان الذي يكتب منه الإنسان. ويرتفع فيها سقف حرية التعبير، وتختفي الرقابة، اللهم إلا إذا كنت عربياً، تعيش في جماهيرية عظمى يقصف زعيمها شعبه بالطائرات، أو في جمهورية درامية تسجن الأطفال بتهمة «إفشاء أسرار الدولة».. فتلك كارثة الكوارث.

لكن الـ« فيس بوك » تظل دولة قوية ومؤثرة حول العالم، وربما يستطيع مواطنوها المتحدرون من جنسيات البشرية أن يدفعوا بها نحو أفق أكثر فاعلية، فتصبح عضواً مركزياً في هيئة الأمم المتحدة، وقد يكون لثقلها السكاني الحق في أن تمتلك حق النقض (الفيتو)، وسيكون بمقدور حكومتها أن تحاجج بأنها غيّرت وجه العالم العربي في خمسة أشهر، وصنعت ثورات شعبية، وأنها مرشحة لتعيد العالم إلى ثنائية القطبية، بعد أن استفردت الولايات المتحدة به نحو عقدين من الزمان، ولنا أن نتخيل أية حرب باردة ستكون، وبأي الأدوات والأفكار.

من المفارقة أن بلداناً عربية تقاطع إسرائيل دبلوماسياً، أعلنت منذ سنوات قطع العلاقات «الإنترنتية» مع دولة الـ« فيس بوك » لأنها دولة خارجة عن المفهوم العربي للسلطة وشروطها، فلا قوانين عقوبات ومطبوعات لديها، ولا رقابة من أي نوع، وسكانها مواطنون متساوون في الحقوق كافة، ويحق لهم متى شاؤوا أن يكتبوا آراءهم على هذا الجدار الافتراضي الكبير.

لكن « فيس بوك » مثل أي دولة، تتعرض لضغوط دول ومجموعات فاعلة على « الإنترنت »، وآخر ذلك إغلاق صفحة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، إلى جانب التخريب الذي تنفذه أجهزة دول كثيرة في العالم، ولا سيما العربية، ضد معارضين سياسيين، أو حتى مشتركين عاديين تمكنوا من لفت الأنظار إلى صفحات عامة أنشأوها، واستقطبت قراء ومشاركين على نحو واسع.

هذا الواقع يستدعي من السكان العرب في دولة الـ« فيس بوك » الدفاع عن حقوقهم، وبالأساليب الديمقراطية ذاتها، بالتكاتف معاً، والضغط على حكومة الموقع، وهو ما يحدث فعلاً الآن، وقد قاطع الآلاف من الناشطين العرب الموقع الأحد الماضي، احتجاجاً على منع صفحة الانتفاضة، والحملة لاتزال مستمرة في هذا الصدد.

في المقابل، فنحن كمواطنين نطالب حكومة « فيس بوك » بالبحث عن تدابير تقنية تحمي صفحاتنا من عصابات « الإنترنت » المريبة، وقد نجحت كثيراً في تخريب صفحات لأسباب تتعلق بحرية الرأي والتعبير، ومن حقنا كعرب أن تنظر إلينا حكومة الموقع بعين الرأفة والاستثناء، وتكثّف الحراسة على كلماتنا وأفكارنا، خلافاً لسائر مواطنيها من أميركيين وأوروبيين، فهؤلاء لديهم حريات تاريخية على الأرض تكفلها دساتير وقوانين وثقافات راسخة، ولا يحتاج الأميركي إلى صفحة يفتحها باسم مستعار لينتقد موظفاً في وزارة، فهو يستطيع أن يتظاهر أمام البيت الأبيض من دون عواقب، ولا يملك أي رئيس أوروبي حقاً قانونياً في الاتصال برئيس تحرير صحيفة ومنع خبر أو مقال.

« بالروح.. بالدم » نفديك يا مارك زوكربيرغ.. فلولاك لحرق زين العابدين بن علي كل زيتون تونس في لحظة بطش واحدة.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة