كل جمعة

حكمة الديناصور

باسل رفايعة

من لا يتطور ينقرض، هذه هي حكمة الديناصور، لكن للأسف فقد احتاج الانقراض إلى قرون طويلة، حتى وجدنا العظام والهياكل في المتاحف، وإذا كانت هذه حال الديناصورات العربية، فعلى من يستعجل الأحلام السعيدة على وقع ما حدث في الشهور الأخيرة أن ينتظر، ويدرب نفسه على طول البال، ويستمتع بهذه الأجواء الكوميدية في واقع العرب.

فقد اتهم مسؤول عربي، قبل أيام، أجهزة الأمن في بلاده بأنها ليست متطورة إلى الحد الذي يجعلها مؤهلة لفضّ التجمعات المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، وطالب تلك الأجهزة بتحقيق أمن وقائي بالقبض على المحرضين الناشطين على موقع «فيس بوك»، قبل أن ينجحوا في نقل تحريضهم إلى الأرض في الميادين والدوّارات العربية.

وشدد مسؤول ثانٍ حرفياً على أنه «يعرف المؤامرات الخارجية التي تحاك على (الإنترنت)، وفي أماكن أخرى، مثل (فيس بوك)»، وقد نبهه حاضرون إلى أن موقع «فيس بوك» جزء من شبكة الإنترنت، لكنه استمر في التحطيب من لغة الخشب، وأكد أن «المؤامرة الصهيونية ستتكسر على صخرة عنادنا الوطني، رغما عن (فيس بوك)»، وصفق الحاضرون، فحاول المسؤول إخفاء ابتسامة التواضع، لولا أن فضحه الغرور.

ديناصور ثالث اتهم شباناً من ثورة 25 يناير بالسفر من مصر إلى بلاده، من أجل مساعدة الشباب على تنظيم الاعتصامات والتظاهرات، في إطار الاستفادة من التجربة الثورية المصرية، وأكد بثقة لا يُحسد عليها أن الشباب المصريين موجودون في فنادق بلده لأجل هذه المهمة، التي لا تتطلب سفراً، ولا فنادق، ولا ما يحزنون، لو كان يعرف الديناصور ما هو «فيس بوك»، وكيف استخدمه الشباب العربي في تنظيم احتجاجاتهم!

لا يُصدق العقل الرسمي العربي ما يحدث. من أين جاء «فيس بوك»، و«تويتر» وكل هذه المصائب؟ هل هذه شعوبنا التي نعرفها وتعبنا عقوداً على تدجينها وتربيتها جيداً على الطاعة والقناعة والرضا بما قسم الله لها من خبز وحريات وديمقراطية؟ أين ذهبت المناهج والمدارس والجامعات التي فتحناها لتدريس الأمية حتى نفاجأ بهؤلاء الشباب الطالعين من أجهزة الكمبيوتر؟ أين ذهب كتّابنا وإعلامنا وصحافتنا التي أنفقنا عليها الملايين وحرسناها بالقوانين، فإذا بها تسقط بخبر «بلاك بيري» واحد، وكأنها محض فقاعات؟

لا يصدق العقل الرسمي، العقل الذي غرق في الأكاذيب طويلاً لا يمكنه أن يصدق أن الشعوب بلغت حداً من الأذى والإهانة والجوع بما لا يُمكن السكوت عليه، يظن أن من واجب الشعوب أن تحتمل، وألا تستسلم للفتنة والفوضى، هل كذبت عليه التقارير بأن «كل الأمور تحت السيطرة»؟

لا يمكنه احتمال هذا الصدق، وليس أمامه سوى اليقين المطلق بأن الأمر لا يعدو مؤامرة مدبرة، أسهم في تنفيذها هذا النبت الشيطاني المدعو «فيس بوك»، وأعوانه في الداخل والخارج من «المندسين والمتآمرين وأصحاب الأجندات الخارجية»، ولكنه كمن ابتلع قطعة زجاج، وأصبحت في منتصف حلقه، فلا هو قادر على إخراجها، ولا هو يستطيع دفعها إلى جوفه.. ويستريح.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة