أبواب

التخويف

زياد العناني

يبدو أن بعض البلدان لا تقوم على منطق حضورها التاريخي أو السياسي، وإنما على مزاعم وحملات من التضليل والتزييف العلني المبثوث في إعلامها.

كل بلاد يعتقد نظامها السياسي أنه أكبر منها ليست بلاداً، حتى لو استقلت وأخذت تضاريسها على الأطلس وصارت مشمولة بعضوية الأمم المتحدة، وحتى لو «تعسكرت» قوات الأمن فوق ترابها.

ما من أحد يفهم كيف تكون البلاد بلاداً، وفيها نظام بعين واحدة، يخوّف ويخير الناس بينه وبين جملة من السيناريوهات الخطرة قد تبدأ بالحرب الأهلية وتمر بالتقسيم وتنتهي بالاحتلال من قبل دولة أخرى.

منذ منتصف القرن الماضي ونحن نرى جملة من البلدان التي تعرف وتسمى باسم نظامها غارقة في الرمال المتحركة، ولم تخرج بعد من تصنيفات الواقعية السياسية التي تقول إنها لا تستحق البقاء، وربما عليها أن تميل إلى دولة أكبر منها وتذوب بين جنباتها.

هكذا هو الحال في بعض الدول العربية التي ابتليت بأنظمة تحشر الناس حشراً في بيت الطاعة، وتسوقهم إلى حتميات القائد الضرورة، مثل الماعز، وتقنعهم بأن لون الحرية أسود، وأنهم بخير عميم، وأن قادتهم لم يسرقوا ثرواتهم، بل فتحوا لهم حسابات توفير في البنوك الأجنبية، وان كانت باسم القادة، ولكنها ستعود عليهم بالفائدة إذا ناهزوا التسعين وبلغوا السن القانونية!

كل مدارس علم النفس لا تستطيع أن تفسر سيكولوجيا الشعب اللامرئي أو المتحول، في ذهن قادة، من آدميته الحقة إلى مجرد حشرات لا ترى بالعين المجردة، ولكن السؤال الذي يحك رأسه هنا ليس عن الآدمية، بل عن بعض القادة، وكيف لهم أن يقبلوا ويتواضعوا ويحكموا الحشرات، ولماذا لم يقوموا حتى الآن بعملية شراء شعوب بديلة بحناجر جهيرة ونظيفة جداً تهتف بمنجزاتهم البينة وتشيد باحترامهم لحقوق المواطنة من ألفها إلى يائها، وتتعامل معهم كبديل رمزي عن الأب المفقود لدى فرويد؟

كل ما يحدث في ساحات التغيير العربية، سواء تعلق بالقادة أو الناس، كان يجب أن يحدث منذ 100 عام لو كانت هناك قوة إصلاحية فاعلة ومستمرة تسعى إلى «دمقرطة» دولة دستورية يتوافر فيها مبدأ الفصل بين السلطات من غير أن تكلّ أو تملّ أو تنتحر صمتاً أو خوفاً، لأن المسألة ليست في الانظمة فقط وإنما في الشعوب أيضاً التي تصمت عن جرائمها وطغيانها وتقبل بلعبة الإقصاء التي لا تتم بين اثنين، وإنما بين شخص ثقيل الوطء يحتكر السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبين شعب كامل كتب عليه أن يتعلم الهزيمة، حتى يرسخ في ذهنه كثير من الحكايات التي تعني أن الرمز مطلق الحرية وأنه قدر «سيزيفي» لا يضمحل ولا يغيب.

وأخيراً يقول توماس فولر «يمكن للعديدين أن يصبحوا جبناء لو تحلّـوا بالشجاعة الكافية». وبناء على هذا القول لابد لنا من بعض الجبناء، ولابد لنا من بعض الشجعان، لنقول لهذه الأنظمة إنها لن تنتصر على النطق الجمعي وقوة الشارع مهما فعلت، لأن الزمن الذي كان يبرر فيه اعتقال الشعوب قد ولّى إلى الأبد.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة