كل جمعة

الشعب يريد..

باسل رفايعة

أسقطت شعوب عربية أنظمة قمعية وفاسدة، ولايزال شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» يصعد عالياً من حناجر المحتجين في غير شارع عربي، خصوصاً في تلك الدول التي تصرّ على أنها «ليست تونس ومصر، ولن تكون»، وقد قال معمر القذافي العبارة ذاتها باطمئنان كامل، وبقبضة مرفوعة في السماء، قبل أيام قليلة من اندلاع الغضب في ليبيا، التي لا يعرفها أبداً.

«الشعب يريد».. لا بأس بهذه الحماسة الشديدة والجديدة، فهي تعني أن حقبة إرادة الشعب قد بدأت فعلاً، وهي إن لم تُسقط الأنظمة البوليسية والفاسدة، فلا أقل من أنها توجّه رسالة واضحة إليها، بأن البلاد يجب أن تُحكم بدساتير وقوانين وعقود اجتماعية مدنية، وهي للجميع، وليست مزارع للزعماء وبطاناتهم، كما هو الحال في ليبيا التي لم يرَ فيها القذافي سوى مزرعة خاصة، أو صورة مكبرة من باب العزيزية، ولا حق لأحد في ثرواتها سواه وأولاده وحاشيته الخضراء.

لكن المهم هو تطوير الشعار، وتعميق معناه، فـ«إسقاط النظام» بمعنى الطبقة الحاكمة التي دفعت سياساتها الناس إلى الاحتجاج في الشوارع، يحتاج إلى إنجاز سياق سياسي واجتماعي جديد، يتولى إسقاط أنظمة أخرى، لا تقلّ سوءاً عن النظام السياسي المستهدف بالحركة الشعبية، مثل النظام التعليمي المتخلف والسائد في بلاد العرب، والنظام التشريعي الذي أقام توأمة تاريخية مع التسلط، وأنشأ منظومة قوانين بدائية لخدمة الفساد بمعناه الشمولي، ومعهما كذلك النظام الثقافي القديم جداً، والمتكلس جداً، وقد أسهم المجتمع العربي، قبل السلطات، في حراسته والذود عنه بشراسة، وعدم السماح لرياح التغيير بالاقتراب من قلعته المغلقة بإحكام.

ثمة من يحاجج بأن النظام السياسي العربي هو الذي أنجز وحده سائر الأنظمة الضارة، دفاعاً عن مصلحته وبقائه، وبسقوط أشكاله السيئة، كما حدث حتى الآن في الوطن العربي، فإن أنظمة التعليم والتشريع تحديداً، ستسقط حُكماً.

تصحّ هذه المحاججة جزئياً، لجهة أن نظاماً بوليسياً وفاسداً، مثل نظام زين العابدين بن علي البائد، انهمك طوال عقدين في العبث بالمنظومة التشريعية المتعلقة بالحكم، وبالصحافة، وبالحريات العامة، وبالاقتصاد، بما يكفل سيطرة مطلقة لحكمه، ثم تداعت تلك المنظومة كلياً بعد هروبه، لكن الأهم يكمن في قدرة القوى السياسية والاجتماعية المناهضة على إسقاط النظام والأنظمة التي شكلت قواعد صلبة له، ولاستمراره، وهذا هو التحدي الأكثر صعوبة.

المهمة المقبلة للقوى العربية التي نجحت في إسقاط الأنظمة السياسية في بلدانها، تكمن في منع استنساخ تلك الأنظمة، وتكرارها على النحو الذي كان، ولن يكون ذلك إلا بإسقاط سلسلة من الأنظمة الأخرى التي استفادت منها.

أرى أن السبيل إلى ذلك يبدأ بإسقاط النظام التعليمي أولاً، وتأسيس نظام حديث تماماً، ومختلف تماماً عما عشنا على تاريخه وجموده قروناً طويلة، ولكن دون هدر عقود في إعادة اختراع العجلة، فما يصلح في أميركا وأوروبا في القرن الحادي والعشرين يصلح لنا، ويمكننا أن نهضمه بسهولة ويسر، مع بعض الصعوبات الطبيعية، غير أن ذلك لن يكون إذا اعتبرنا أن الأنظمة التعليمية في الدول المتقدمة حضارياً نجسة وكافرة، ويشكل نقلها إلى مجتمعاتنا مؤامرة صهيونية على ثقافتنا وخصوصيتنا، فتلك معضلة أخرى..

لا حلّ لها، ولا حلّ معها.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة