أبواب

خيانة المؤتمن

زياد العناني

كنا نحسب أن الفساد مجرد حالة استثنائية قد تحدث في مناطق الإدارة بين الحين والآخر، وإن شطّ بنا الظن نقول إنه قد يتعلق بالواسطة والمحسوبية والتحايل على القوانين والأنظمة. كان الفساد أقل حجما، وكنا نتندر حول فساد أحد «الحيتان»، وكيف ملأ حافلة مستأجرة بأقرباء يخصونه وأرسلهم إلى مدير تلفزيون رسمي، من أجل تعيينهم، ولأن الحوت كان قويا انصاع المدير للطلب، وعين كل من كانوا في الحافلة بمن فيهم سائق الحافلة الذي انطبق عليه المثل القائل «من حضر السوق يتسوق»، رغم انه لم يكن مشمولا بالتوصية.

غير أننا لم نكن نحسب أن فساد هذا الحوت سيتطور ويتغول، ويكوّن نسيجه التركيبي، ويصل إلى مسمى «طبقة» تتشكل برعاية حكومات تتآخى معها وتفرد لها قوانين مستترة، تخدمها إلى الحد الذي باتت معه قصة «حوت الحافلة» نكتة مقابل قصة «حيتان» صاروا يأخذون المؤسسة بمن فيها، ويورطون الشعب في مديونية من البنك الدولي، ومن نادي باريس، حتى أصبحت ميزانية كل واحد منهم تضاعف ميزانية الدولة، في ظل غيبوبة شعب لم يعد يملك خطه الإنساني في غمرة الخطوط الحمراء والرمادية واتساع المحظور، فصار يبحث عن من يدافع عنه ويبرّئه من الديون ومن فوائدها، ومن سياسات مخجلة ما شارك فيها، ومن تضحيات فرضت عليه على مدار أجيال ومن خريطة تفقير جانبية ليست في المتن ولكن في جهات تنتمي إلى قلة الحظ ومن وطن مقتبس من أفكار الدكتاتور «سيموزا»، ومن قيادة توفر الموت لشعبها وتعامله كمريض في مصحة لا تسمح له طاقته العقلية والجسدية بغير أن يهز رأسه الأشعث تعبيرا عن الموافقة.

لقد توسعت حالات الفساد وتجاوز منطقة «الحيات»، لتشمل حكومات راحت تغسل الأموال وتتخفى وراء المستثمر الأجنبي وتتجرأ على المال العام وتختلس حتى المنح والمساعدات محولة مقارها إلى مكاتب للسوق الحرة، تتضافر فيها الجهود لسرقة الشخصي والعام معا.

والسؤال هنا: لماذا كلما قامت جهة بمحاولة لاجتثاث المفسدين تورطت مع جهات أكبر منها وتتمتع بسلطة اخفاء الحقائق؟ ولماذا يغيب مبدأ المُساءلة عن مسارح بلدان تخصخصت بهفوة وأخرى بيعت أثناء النوم ولم يطفح كيلها.

في غياب التشريعات وحضور المحاصصة بدلا من الدولة، لا أحد يستطيع أن يؤدي دوره أو يفتح ملفا فاسدا يتعلق بخيانة المؤتمن، لأن الأمر قد يتحول إلى عش دبابير لا تلسع فقط، وإنما تشل وتذبح وتؤلف له «إضبارة» كاملة بفساد مضاد، لاغتيال شخصيته بكيدية متقنة تفضي إلى استسلامه أو الدخول إلى السجن أو العودة إلى البيت، بعيدا عن المواجهة العويصة، لكي يتوارى عن الأنظار تاركا لص الصفوة يتقدم الصفوف، ويتفنن في سرقة حتى الأحلام التي يمكن أن تنوب عن الواقع.

هناك مواطنون عرب كثر يسمعون عن النيابة العامـة وينالون أحكـاما بالحـبس من غير أن يـحدثوا جنـحة معروفة أو بيـنة. وهنـاك لـصوص وطـن يـفوزون بما سرقوا ويفوز معهم شركاء في الجريمة نفسها في بلدان لم تصل بعد إلى معنى الدولة المدنية واستقلال القضاء ويشك كثيرا في أنها قد تصل ما دامت الفضيحة نائمة والوطن كله عبارة عن لعنة أو دمعة تجريدية لا حدود لها.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه

طباعة