كل جمعة

أصابع خارجية..

باسل رفايعة

تواصل «الأصابع الخارجية» وليس غيرها، العبث في بلاد العرب، ومن كان في شكّ فدونه التجارب التونسية والمصرية والليبية، إذ عاشت هذه البلدان قبل أشهر تجارب ديمقراطية راسخة، وحريات مصونة بالدستور، لا مثيل لها في أميركا وأوروبا، وحاكمية رشيدة تحارب الفساد وتُرسي أسس العدالة الاجتماعية، والدليل سجون زين العابدين بن علي وخزائن قصوره، ووثائق أمن الدولة في مصر، وأجواء السلام الشعبي الذي تعيشه ليبيا تحت حكم العقيد معمر القذافي، الذي أرسل طائراته لرمي الزهور على المتظاهرين في الزاوية ومصراته وسدر. ومن كان في شكّ أيضاً فلينظر كيف تحيك تلك الأصابع المؤامرات والدسائس ضدّ بقية البلاد العربية، في مرحلة ما بعد نيران محمد بوعزيزي.

هذه آخر الأكاذيب العربية الرائجة الآن، ولا مسؤول يكفّ عن ترديدها، مثلما كانت لازمة ثابتة في خطابات الزعماء التاريخيين الثلاثة، الذين ودّعوا الكراسي، وأقول ثلاثة، لأن القذافي انتهى عملياً، وكل ما يفعله الآن شواهد على الاحتضار، وهو يهلوس خطاباً تلو آخر، ويتيه في زنقة، تلو أخرى.

أكذوبة «الأصابع الخارجية» تشيع الآن، لتثبت كم يعيش كثير من بلاد العرب في حال نكران تام، لا تشخيص له سوى أنه مرض مزمن، ولا حلّ له سوى أدوية تونسية أو مصرية أو ليبية، فهذه البلدان متقدمة جداً في الصناعات الدوائية الناجعة في معالجة الرُهاب الذهني، واستمراء الكذب على الذات.

الأكاذيب تُعرفُ من شكلها ومضمونها وصياغتها، التظاهرات التي تجتاح الشارع العربي احتجاجاً على التسلط والفساد وسوء الأحوال المعيشية «مؤامرة خارجية»، والمطالبات بالتغيير بعد أن استفحل القمع والجوع بالناس، لا ترجمة عربية لها سوى «أصابع خارجية» تريد تهديد الأمن في هذا البلد أو ذاك، فتحرك الجوعى والمقموعين كأنهم دُمى.

هل تلقى محمد بوعزيزي تعليمات أميركية أو إسرائيلية أو أوروبية ليحرق نفسه؟ منْ دفع للملايين الذين احتشدوا في ميدان التحرير لرفض تحويل بلادهم إلى مزرعة خاصة؟ ومنْ يدفع الآن للشعب الليبي ليموت تحت وابل يومي ومجنون من القنابل والقذائف الحارقة؟ منْ يصدق أكذوبة «القاعدة» التي جاءت من الخارج لتهدد الديمقراطية العريقة التي أقامها القذافي في أكثر من 40 عاماً في بلاد تسبح على بحر من النفط، وتعيش حياة بدائية؟!

إنها أصابع داخلية مئة بالمئة، أصابع الظلم والقهر والفساد والجنون، وإنكار ذلك لا يفيد شيئاً، إلا إذا استفاد زعماء تونس ومصر وليبيا من حال النكران التي بددها الغضب الشعبي، وكذّبتها حناجر الناس وتوقهم إلى مستقبل مختلف. كل ليبي يعيش تحت احتمال الموت، يرفض التدخل الأجنبي في بلاده، وكل عربي يُدرك ذلك الخطر، ولا أحد يقبل أو يريد أن تتحول بلاده إلى ساحة مفتوحة للتدخل الأجنبي، لكن الجميع يعرف أن ذلك التدخل لن تأتي به أبداً التعبيرات السلمية المطالبة بالحقوق والتغيير.

إنها رياح داخلية تماماً، تهبّ في بلاد العرب أخيراً، وقد قدحت نيراناً لاتزال مشتعلة في بلدان عربية عدة، ولا سبيل لمقاومتها، سوى الإصلاح الجاد والسريع، بعد أن أثبتت كل الحلول الأمنية عقمها وفشلها.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة