أبواب

ممر آمن

زياد العناني

كل المعطيات تؤكد أن بعض النظم العربية ستظل لاهية وتناور في لعبة الإصلاح، على الرغم من أن وضعها الحالي يدعو إلى التفكير في ممر آمن تخرج عبره بسلام من بلدانها إلى ملاجئ الغرب أو صقيع المصارف الغربية. منذ ثورة الياسمين التي لم تبرد بعد حدثت تغيرات كثيرة، من أبرزها أن الشعوب العربية لم تعد تدور في نقطة ضعفها، بل صارت في غاية الانتباه، تخرج وتتحدث وتجلد الأنظمة، وتجلد نفسها على مضي عقود كانت تتواطأ فيها ضد نفسها، وتلعب لعبة «الغميضة» مع لصوص كثر، تمتعوا بخفة اليد وسرقوا ثروة الوطن، ورحّلوا كل أصولها إلى خزائن أجنبية، من غير أن يدركوا أن التاريخ قد أكد غير مرة أن مصارف هذه الدول لن تفتح أبوابها لسارق عام، وأن هذه الأموال ستجمد بحجة التكفير عن أخطائه.

على كل حال لا وقت للبكاء على اللبن المسكوب، ولا وقت ايضاً للتعامل مع هذه الأنظمة التي ستظل ماضية في افتراءاتها، ولن تخرج من عباءة القائد الأوحد، لأن الوقت كله يجب أن يخصص لإنقاذ الوضع السياسي، بالعمل الجاد لوجود دولة مدنية تقوم على حكومة منتخبة، وإنقاذ الوضع الاقتصادي بكشف حساب يفرق فيه بين أموال الزعيم التي تقدر بالمليارات، بما فيها من ملاحق تخص عقارات وأسهم واستثمارات متعددة، وبين أموال الشعب التي تقدر بالملايين، معظمها سائب وينتمي إلى الديون المرهقة.

ووسط عملية الإنقاذ هذه لابد لنا أن نرى الأمل وهو يلوح من الواقع الشعبي، ولابد أن نؤمن بأن هذا الواقع قد صار يحاور الشفاه، من دون أن يأخذ دور الضحية، خصوصاً أنه أصبح يدين صمته وخوفه وثقافتة المطيعة، ويحاول التخلص من ذهنية التحريم والتخوين، ويدافع عن العقلانية بوسائله المتاحة، ويفضح عملية تسخير الجوانب الميتافيزيقة والفقهية عند من يمثلون الأمة ودينها، وعند من رسخوا ازدواجية الانتماء الكاذب بين حتمية الوطن وحتمية القائد، حتى وصل الأمر إلى كارثة عدم التفريق بين مسألة تداول السلطة ومسألة تداول الدماء.

ربما سقطت ثقافة الخوف مع تداول الياسمين، ولكن الأكيد هو أن العلاقة الكرتونية بين الشعوب وهذه الأنظمة قد سقطت وانتهت، بما فيها من مضحكات ومبكيات وحناجر جاهرة، دفعت دفعاً لكي تكذب وتتهم الشعوب بالأمركة، وحمى الضنك والتأمر، وتناول حبوب الهلوسة، في خطوة أقل ما يقال بشأنها إنها تستهين بالعقل الإنساني كله.

ولأن هذه الأنظمة فقدت البث بينها وبين شعوبها، ولأنها لم تعد تملك موجات بديلة للتواصل الحي، ولأن نهاية السجل السيئ قد باتت وشيكة، فلن نجد أي جزء من هذه الجماهير يقبل بالتفاوض مع أنظمة سيجت مقدراتها في منطقة وحشية، تخلو من «دسترة» القوانين، ومن الحرية والديمقراطية والمساواة واحترام حقوق الإنسان، لأن هذه الجماهير قد حددت موقفها في مطلب واحد، يتمثل في خروج كل النظم الفاسدة، بإدانة أو بلا إدانة، عبر ممر آمن إلى المنفى، أو إلى هوية أخرى غير الهويات التي تلاعبت في مكوناتها، وخانتها حين اعتبرت أن البورصة هي بيتها الأول، وأن خزانة المال هي الوطن.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه

طباعة