كل جمعة

الحلم العربي

باسل رفايعة

ها نحن نعيش إلى اليوم الذي نرى فيه حُلماً عربياً جميلاً، لايزال لشدة روعته ملتبساً في أذهاننا، وعصياً عن التصديق، نحتاج إلى ذهن مستيقظ ودقيق، لفهم ما يتحرك بتسارع على الخريطة العربية التي صبغها عقوداً لون واحد، وخط واحد، حتى أصابها وأصابنا عمىً شديد.

نحتاج أن نفتح عيوننا على اتساعها لتوثيق هذه اللحظات التاريخية بقوة ورسوخ، لئلا يدهمها أي نسيان، أو يبددها دكتاتور صغير، لم يتعظ من سقوط الجبابرة، بين هارب على متن طائرة في جُنح الظلام، أو لاجئ في منتجع، أو معتوه يبحث عن مصحة نفسية، تليق بـ«مجده» العتيد!

نعم نعيش إلى اليوم، وبكامل الذهول، وكأن كل واحد فينا ذلك التونسي الذي نشاهده عشرات المرات على «الجزيرة» يصرخ بصوت تخنقه دموع الفرح، في شارع خالٍ ليلاً: «الشعب التونسي ما يموتش، بن علي هرب، بن علي هرب».

«عشنا وشفنا» في شهرين ثلاث ثورات في ثلاثة بلدان عربية متجاورة، وها نحن نشاهد أيضاً توابع ذلك الزلزال الذي أطاح العروش، ورفع صوت الشعوب عالياً، بكرامة لا يعيبها فقر. رأينا كيف ألهم شاب بسيط يدعى محمد بوعزيزي ملايين الفقراء والمقهورين والمقموعين، وكيف صنع ثورة عظيمة في تونس، وطرد دكتاتوراً لم يفعل شيئاً للبلاد التي احتملت أذاه، سوى تكديس الأموال والذهب في القصور، رأينا كيف زحف ملايين الشباب ذات 25 يناير إلى ميدان التحرير، وحرروا مصر الكبيرة من الخوف والخرافات، وقرروا أن مستقبل بلادهم على بعد خطوة في تظاهرة، وهتاف في مسيرة، وإرادة حالمة بالتغيير، ثم رأينا كيف أطاح شعب ذات 17 فبراير أكاذيب عمرها 42 عاماً في سبعة أيام، وأزال القناع عن الدكتاتور المريض، وتركه يصف أحفاد عمر المختار بـ«الجراذين والمهلوسين»، لشدة ما صدمته الحرية، وقد كان يظن أنه ملك العباد والبلاد إلى أبد الآبدين.

هل نحن في حُلم طويل؟ هل نفرك أعيننا بشدة لنتأكد من وضوح ما نرى؟ هذا رئيس دولة لن يترشح للانتخابات في بلاده، ويتخلى بسهولة عن وصفه بالقائد التاريخيّ. وفي بلاد لا تُزاد فيها الرواتب إلا كل مطلع قرن، يحصل الناس على أموال وعطايا، وبدل نقدي عن البطالة، وثمة مشروعات بالمليارات في بلاد العرب في غضون شهرين.

هذا وزير داخلية في بلد أرسل «بلطجية» لتخريب مسيرة سلمية، يقول في الزمن الجديد، بكل ثقة إن عصر قمع رجال الأمن المتظاهرين قد انتهى، فمهمتهم هي حراسة المعارضة، وكادت تبلغ به الحماسة فيقول إن على رجال الشرطة أن يحملوا مظلات تقي المتظاهرين غزارة المطر، وذلك وزير داخلية آخر في بلاد تحظر الـ«فيس بوك»، يسارع قبل أيام إلى سوق شعبي للاعتذار للناس عن لطمة اقترفها شرطي على خدّ تاجر صغير، فيُقبّل رأسه بحنو وألم، ويؤكد أن «سيادة القانون» ستطال الشرطي. الآن عرف الوزير معنى كرامة الإنسان، نعم، فالعروش تهزها أحياناً عربة خضار ولطمة شرطي!

شكراً لك يا محمد بوعزيزي، شكراً لجسدك المحترق الذي سطع كشمس في حلكتنا القاسية، شكراً لروحك الخضراء التي لاتزال تشتعل في يباسنا الطويل، وشكراً لكل من «يجعل هذه الأرض تستحق الحياة».

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه

طباعة