أبواب

الثورة المعجزة

خليل قنديل

ما حدث في ميدان التحرير في وسط قاهرة المعز، يستحق أن يتحول الى ظاهرة جماهيرية جديدة تستحق التأمل، واعادة تشكيل الخارطة اللونية لكل هذه الجموع المليونية المناهضة من جديد. مثلما يستحق ان يتحول الى مرجعية جديدة في فهم سيكولوجية المجموع، واعادة قراءة النظريات الخاصة بعلم الاجتماع، واعادة فهم مسألة الثورة حين تحتقن في العمق الجمعي للشعوب، وكيف يمكن لها أن تتفجر على هذا النحو المليوني المُدهش.

هذه الانتفاضة الشبابية تحولت الى ثورة نادرة الحدوث، بسبب الكيمياء التنظيمية التي تحلى بها شباب هذه الثورة، حيث استطاعوا خلال (18) يوماً قلب المفاهيم السائدة في اجتراح الثورات، والقدرة على اجتثاث نظام حكم استمر30 عاماً، وكيف استطاعوا أن يمغنطوا كاميرات العالم أجمع باتجاههم وهي ترقب تحديهم سطوة القمع وسلطة النظام.

فالمفهوم الأول أن الثورات العربية كانت دائماً بانتظار القائد العسكري الذي يعتلي دبابة ويتجه بعد ذلك الى دار الإذاعة لإلقاء البيان الأول والإعلان عن اسقاط النظام.

والثورات العربية كانت رهينة محبس المُنظّر السياسي قائد الحزب وأمينه، اللذين لهما وحدهما حق تقدير ساعة الصفر والانطلاق.

والثورات العربية كانت خلال حدوثها، أو قبل ذلك بقليل، تعتمد على العقول المثقفة المحشوة فرحاً بالتنظيرات الثورية المستنسخة من تجارب الشعوب الأخرى.

وحدها ثورة الشعب المصري في 25 يناير استطاعت أن تضع كل النخب الثورية والثقافية خلفها، وكل المفاهيم الثورية السائدة خلفها، وأن تمسك بقصب السبق في لحظة تحد تاريخي، وأن تجبر الزعيم الأوحد على أن يركب مروحيته، ويطير نحو المجهول الجغرافي.

وحدها هذه الثورة التي استطاعت أن تنظم ثورتها الى هذا الحد، بحيث يتحول كوادرها الى لجان تنظيمية تعرف اصول التكتيك التظاهري، وهي تتوزع الى لجان تحمي مداخل ميدان التحرير، وكيف تمنح كل يوم وكل «جمعة» اسمها النضالي الخاص.

وحدها هذه الجموع التي قبضت على جمرة الصبر، واستطاعت أن تقود الشعب المصري الى ما يُشبه العصيان المدني، حتى استطاعت أن تحصد نصرها الخاص.

وحدها هذه الثورة التي ستدخل التاريخ، باعتبارها اجترحت طريقة جديدة في سيكولوجيا التظاهر، والقدرة على التخلص من نظام حكم رقاب العباد لما يزيد على ثلاثة عقود.

إنها بحق الثورة المعجزة.

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة