كل يوم

تاريخ جديد

سامي الريامي

تاريخ جديد يُكتب في عالمنا العربي، كتبه جيل جديد، بتقنية جديدة، كثيرون كانوا يعتقدون أن جيل الشباب هو جيل فارغ وتافه وسطحي، جيل لا عمق في تفكيره، يستخدم التقنية الحديثة لأمور هامشية، لكن المفاجأة كانت كبيرة وصادمة.

أجهزة كمبيوتر محمولة صغيرة الحجم، وهواتف ذكية وغير ذكية، تشكل اليوم علامات فارقة في كتابة التاريخ الحديث، تماثل في حجم تأثيرها التأثير ذاته الذي واكب صناعة المنجنيق في الحروب القديمة، وتشكل نقلة نوعية شبيهة بالنقلة التي أحدثها اكتشاف البارود واستخدام المدافع في مواجهة السيوف!

عالم اليوم هو عالم جديد كلياً علينا نحن العرب، وعلى الجميع استيعاب ذلك، فما حدث لا يمكن تصديقه، ولا تخيله، على المستويين الداخلي في الوطن العربي الكبير، وخارجياً على مستوى الدول الكبرى، هو عالم غريب تلعب فيه المصلحة الدور الرئيس والأساسي، فلا قوة عظمى تستطيع حماية حلفائها مع وجود شباب وأجهزة ورغبة في تغيير وضع سيئ وبطالة منتشرة وفقر وفساد، ولا قوة داخلية مهما كانت عنيفة وقاسية تستطيع إيقاف الثورات إذا بدأت.

السبيل الوحيد لكسب الشرعية هو التحام القيادة مع الشعب، والعمل سوياً من أجل الوطن، وتحقيق الرفاه والنمو، العمل للوطن يعني العمل على استقراره ونموه وإعطاء الجميع حقوقاً متساوية، وتثبيت القانون والعمل به من دون تجاوزات.

من قال إن جيل الشباب هو جيل سطحي، لن يستطيع أحد أن يعيد مثل هذه الكلمات، فالجيل الجديد متسلح بالعلم والتقنية الحديثة، ولقد أثبت أنه يستطيع استخدامها لأغراض متعددة، وبنجاح فائق، في السياسة والترفيه، وفي التواصل والتعبير، وأخيراً رأينا كيف نجحت التقنية في إحداث الفرق والتغيير.

السلطة لا تعني الاستبداد والفساد وتغليب المصلحة الخاصة والشخصية على مصلحة الوطن، ومن يعتقد ذلك، فليتأكد أنه مخطئ، الأحداث الماضية علمتنا أن السلطة مسؤولية وأمانة وتكليف قبل أن تكون تشريفاً، والسلطة هي هبة الشعوب للمسؤولين، ستبقى لديهم إن أحسنوا استغلالها لمصلحة الناس، وتسحب منهم في أسرع من غمضة عين، إن أساؤوا استغلالها، واستخدموها ضدشعوبهم.

التاريخ الجديد الذي صنعه الشباب، مليء بالنقلات النوعية، رسخ مفاهيم ومصطلحات جديدة عن الوطن العربي، أهمها كلمات من نوع الرأي الآخر، والتغيير، والحريات، ورفض الفساد، والمحاسبة، وتجميد الأرصدة، إضافة إلى مصطلح جديد كلياً هو رئيس سابق.

العصر الجديد، جاء بقناعات جديدة، يبدو أنها ستكون دائمة، أهمها أن لا مجال للتكتيم والتعتيم، لقد أصبح العالم بأطرافه ومسافاته الواسعة وارتفاعاته الشاهقة، هو في الحقيقة، أصغر من كف اليد، ومع هذا الانكشاف لا فاعلية للتعتيم الإعلامي، ولا مجال لإخفاء الحقائق، لقد أصبح كل شاب وكل فرد في المجتمع، أياً كان مكان هذا المجتمع، قناة فضائية متنقلة، ووكالة أنباء تبث صوراً وأخباراً من موقع الحدث، وفي ظل هذا الوضع الجديد لا مجال أبداً إلا للشفافية والوضوح، ولا مجال للبقاء في السلطة إلا بحب الشعوب والعمل على رخائها.

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة