أبواب

ميدان التحرير

يوسف ضمرة

محاولات السلطة المصرية المحمومة، لتغييب ميدان التحرير عن كادر الصورة، لم تنجح، فقد أطلّ ميدان التحرير رمزاً، وتجذّر في الوجدان الشعبي العربي، ولعل المحاولات المستميتة للدفاع عن هذا الميدان ضد قوى السلطة، تعد استجابة جوهرية لرمزية الميدان، فالقاهرة مملوءة بالأماكن الأخرى الواسعة، وفي استطاعة المنتفضين الذهاب إلى أي مكان آخر، ولكن هذه الرمزية، هي التي دفعت بميدان التحرير وجدانياً وسياسياً، ليكون معقلاً أول، وأساسياً لشباب25 يناير.

وميدان التحرير، ليس في الأساس مجرد مساحة جغرافية، إذ يشكل اسمه، إلهاماً مباشراً لثورة يناير الراهنة، الداعية إلى تحرير مصر من العبودية والقمع والظلم والاستبداد، أي أن الميدان في الأصل ينسجم وأهداف الثورة المصرية الشعبية.

من هنا حاولت السلطة منع الصحافيين والمصورين بشتى الوسائل، من الإطلالة على هذا الميدان، ولاتزال حتى اليوم تأتينا صور مشوشة عبر الهواتف والأقمار الاصطناعية، لأن الكاميرات لاتزال ممنوعة كالأسلحة.

هذه الرمزية لميدان التحرير، تجعلنا نعيد النظر في توظيف المكان في الكتابة العربية، فقد جرت العادة على ذكر المكان في معظم الروايات العربية، ولكننا باستثناء نجيب محفوظ، لا نعثر على مدى تجذر المكان في النص، وانعكاسه على القيمة المعرفية فيه.

لقد أظهرت الثورة الشعبية المصرية، أن المكان لا يكتسب قيمته من ذاته، ومن عمارته وهندسته وما إلى ذلك، وإنما يتم بث الروح فيه بشرياً وإنسانياً، ليكتسب كل هذه المكانة التي تمتد طويلاً عبر التاريخ.

فالأهرامات المصرية لم تكتسب مكانتها من بنيانها العظيم فحسب، على الرغم من عظمته وإعجازه، وإنما من تلك الثقافة المصرية التي كانت السبب الرئيس لتشييد تلك الأهرامات الخالدة، وكذلك الحال مع الصروح الرومانية واليونانية القديمة، التي غالباً ما ترتبط ببعض الأسماء التاريخية، وعلى سبيل المثال فقط، فإن منارة الإسكندرية المندثرة، اعتبرت واحدة من عجائب الدنيا السبع، حتى بعد اندثارها، وذلك لارتباطها الموضوعي بشخصية الإسكندر الكبير.

هكذا سيصبح ميدان التحرير في القاهرة واحداً من المعالم التاريخية في مصر، بالنظر إلى ارتباطه العضوي بالثورة الحديثة في مصر، وهكذا سيقصده الزوار والسائحون من كل بقاع الأرض، تماماً كما يقصدون الأهرامات والكرنك، لكي يشاهدوا بعيونهم ذلك المكان الذي ضم بين ضلوعه مئات الآلاف ذات يوم في عز البرد، غير آبهين بمصائرهم الشخصية، واضعين نصب أعينهم هدفاً جمعياً واحداً هو مصر، بصرف النظر عن النتائج الراهنة التي قد يحصدونها.

وهكذا أيضاً سيتحول ميدان التحرير إلى أيقونة في عالم الكتابة الأدبية، وستخرج عشرات الروايات التي يكون فيها الميدان بطلاً كبقية الأبطال.

هكذا نفهم المكان، لا باسمه ولا بهندسته ولا بموقعه، وإنما بقيمته الإنسانية، ومدى ارتباطه بمصائر البشر الذين يصنعون التاريخ، وأهمية الدور الذي لعبه في إزالة الفوارق بين الناس، وتحقيق المساواة التي يطالبون بها.

ثمة دائماً علامة فارقة للمكان، والعلامة الفارقة هنا تكمن في أنه المكان الذي تحققت على أرضه المساواة بين الناس، بحيث إنك لا تستطيع التفريق الآن بين الطبقات والشرائح.

ذابت الحواجز في ميدان التحرير، وتحول إلى حضن إنساني دافئ، سيشع دفئاً ذات يوم على مصر كلها، وربما على الجوار أيضاً.

damra1953@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة