5 دقائق

«فيس بوك على كل ظالم »

ميره القاسم

النكتة لم تفارق الشعب المصري حتى في أحلك الظروف التي مرت بها مصر العزيزة مهما حدث، والتاريخ غالباً ما يثبت ذلك، كنا نتابع الأحداث المتسارعة كوجبات رئيسة طيلة الأيام الماضية وقلوبنا تنزف ألماً على أرواح الضحايا الأبرياء الذين أرى أن أقل الواجبات الإنسانية نحوهم تتمثل في تخليد ذكراهم في الميدان نفسه الذي قتلوا به، حينما كانوا يطالبون بحقوقهم الشرعية.

لا أتمالك نفسي من الضحك، على الرغم من الحزن، كلما تذكرت المواطن الذي رفع يافطة كتب عليها «.. عاوز استحمى»، وعلى الرغم مما تحمله من بساطة في التعبير إلا أنني أرى فيها مضامين عظيمة تعبر عن مدى رغبة المواطنين في التغيير «الأبيض» الذي لا يسفك الدماء، فلقد نجح الشعب المصري في تحقيق رغباته في المطالبات السلمية من دون تطرف غير مبرر، فقد رفعت الثورة شعار الكرامة الذي جمّع كل أطياف المجتمع، مسلماً ومسيحياً، غنياً وفقيراً، مثقفاً وبسيطاً، يهتفون بصوت واحد لشرق أوسط حر ديمقراطي صوته ينبع من إرادة شعوبه.

متظاهرون لم تفارقهم روح الدعابة وهم يعبرّون عن مطالبهم.. سربوا لنا البسمة والنكتة أمام القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والحي.

لقد استرد المصريون روح الدعابة مع استردادهم كرامتهم.. لافتات بسيطة تعبر عن براءة متناهية وترسم ملامح عصر جديد أكثر أملاً وإشراقة.

الفجر يولد في مصر مع ابتسامات المتظاهرين والنصر يلوح مع ضحكاتهم.. شباب تجمعوا من كل الأطياف، بحكمة حضارة موغلة في القدم، وأخيراً نطق أبوالهول وابتسمت الأهرامات. هل تريد أن تعرف من هم المتظاهرون وغيرهم؟ شاهد معركة داحس والغبراء.. فريق الـ«فيس بوك» والإنترنت مقابل فريق البغال والجمال والحمير.. التقدم أمام التخلف، والشباب أمام «البلطجية» والبسمة أمام القنابل المسيلة للدموع.

لم تفلح تلك القنابل سوى في أن يذرف أصحاب القلوب الغاضة النابضة دموع الفرح لأنهم أسمعوا العالم كلماتهم، وعلا صوت هديل الحمام على هدير الدبابات وجنازير العربات المصفحة.

لافتات بسيطة وكلمات تعبر عن روح الدعابة ملأت ميدان التحرير، ظهر عريس جديد لم يكمل شهر العسل وعبر عن حاله «.. مراتي وحشتني»، ولافتة أخرى بالهيروغليفية لعل أحداً يفهم، وآخر يستوحي مقولة شهيرة في الموروث الشعبي ليحورها إلى «فيس بوك على كل ظالم». ووسط ذلك كرتونة بسيطة بها جبن ورغيف خبز كتب عليها صاحبها «كنتاكي» رداً على إعلام ادعى أن كل متظاهر يحصل على وجبة كنتاكي و100 يورو. في ميدان التحرير درس لكل من تصلبت شرايينهم، وتحجرت عقولهم لعلهم يفهمون درس هؤلاء الشباب الذين جعلونا نضحك ونحن نصفق لهم ونتعاطف معهم.. نضحك على الرغم مما يعتلينا من حزن على من ذهب من شهداء، نضحك لأن الفجر لاح، ولأنه لا يصح إلا الصحيح، ولأن الخير لا بد أن ينتصر في النهاية.

wahag2002@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتبة يرجى النقر على اسمها . 

طباعة