أبواب

«مدد يا أبوهاشم»

سالم حميد

مع انتعاش الحركة التجارية في دبي منذ بدايات القرن الماضي، توافد أجانب إلى المدينة في عشرينات القرن الماضي، منهم الصالح والطالح والنصاب والكذاب، أحدهم يُدعى «السيد جلال»، وهو نصاب آسيوي جاء إلى دبي في صيف العام ،1928 واتخذ من السوق مكاناً لممارسة الألعاب السحرية التي أدهشت المارة من الناس، كونهم يشاهدون تلك الألعاب للمرة الأولى، واعتقدوا أنه شخص يتمتع بـ«الكرامات»، واستطاع إيهام البسطاء بقدراته الخارقة، وعلى وجه الخصوص أفراد من الجاليات الآسيوية الذين كانوا يتمسحون ويتبركون به، رغم أصوات المعارضة من بعض مثقفي «إمارات الساحل» القلائل في تلك الفترة، وعلى رأسهم المغفور لهم الشيخ مانع بن راشد، والشيخ محمد بن أحمد بن دلموك، والأديب مبارك بن سيف الناخي، أحد رواد حركة الفكر والثقافة في الإمارات (توفي 1982)، الذي كتب مقالة عن هذا الزائر الغريب الأطوار تحت عنوان «نبي دعي في دبي»، وذلك في مجلة «المنار» اللبنانية لصاحبها عالم الدين اللبناني محمد رشيد رضا، في عدد شهر شوال من العام 1347هـ الموافق 1929م. ومن تلك المقالة عرفنا هذه الحكاية، حيث تمادى «السيد جلال» كثيراً في خزعبلاته وادعى أنه يستطيع حماية الناس من أذى النيران، وقال لهم بما معناه «امشوا على الجمر الملتهب، واطلبوا المدد مني وقولوا مدد يا أبوهاشم مدد، وبإذني لن تحرقكم النار، بل ستكون برداً وسلاماً عليكم، تماماً كما كانت برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام!». وبالفعل انصاع بسطاء لأوامر أبوهاشم، واندفعوا غير عابئين بحرارة الجمر، ولكن سرعان ما علا صراخهم وسقط أغلبهم وسط تدافع الأقدام، والنيران تلتهم أجسادهم وتشوهها تحت لهيب ذلك الصيف الحار، ولاقت تلك الحادثة حينها استنكاراً ملحوظاً من أهالي دبي.

في صيف عام ،1928 لم يرد العقلاء إثقال الأمر على الشيخ المحبوب المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم، فتوجهوا نحو شقيقه الثاني الأصغر الشيخ حشر بن مكتوم، الذي أمر على الفور بطرد الدجال، فتم القبض عليه وأخذوه إلى الميناء لترحيله في أقرب سفينة مغادرة إلى بلاده. ولكن تعيّن عليه البقاء يومين في الميناء نظراً لعدم وجود سفينة مغادرة. والغريب أنه على الرغم من انفضاح أمر الدجال إلا أن اتباعه المحترقين «الأذكياء» كانوا يتوافدون عليه بأعين حاسرة دامعة وهم يودعونه!

يُعرف علم خوارق العادات بالـ«بارانومالوجيا»، وحاولت من خلاله إيجاد تفسير لكيفية المشي على الجمر الملتهب من دون أذى، ولم أجد ما هو مقنع. وشخصياً طبقت التجربة ولم أشعر بأي ألم أو تأثير، فازدادت حيرتي، حتى علمت لاحقاً أن النصابين يستخدمون نوعاً محدداً من الخشب لا يؤذي طبقت الجلد إطلاقاً وهو مشتعل، والخدعة ليست بحاجة إلى مدد من أي أحد، وكان على «أبوهاشم» أن يستخدم ذلك النوع من الخشب إذا كان راغباً في البقاء في دبي!

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

طباعة