5 دقائق

(الهيروغلوفية)

عبدالله الشويخ

لا أحد سيفهم هذه اللغة بشكل كامل إلا من أوجدها وكتب بها وصنع حضارته، هناك دائماً أمور تحب الشعوب أن تحتفظ بها لنفسها، فتجعل فهمها عصياً على الآخرين.. انظر إلى تلك الحروف والرسوم السحرية في هذه اللغة الموغلة في القدم والحضارة، وستحيرك وتأسرك منذ النظرة الأولى، هل تُقرأ من اليمين إلى اليسار، أم أنها من اليسار إلى اليمين، أم من أسفل إلى أعلى، أم العكس؟ لن تستطيع الجزم أبداً وربما لن يعنيك الأمر في النهاية، ولكن الحقيقة الثابتة هي أنها مستخدمة في النقوش في أعلى وأسفل نقطة وصلت إليها البشرية في التاريخ القديم!

من الغريب أنهم كانوا يضعون أسماء الملوك في داخل إطار معين يدل على أن الحروف في داخل الإطار هي حروف ملكية لها قدسية، ليس لها أن تختلط ببقية الحروف من أبراجها العاجية.. وربما كان هذا سبب انقراضها!

في الرموز إشارات مفرطة إلى الخير والشر في مجملها تدل على أن أجداد هذا الشعب لا يؤمنون باللون الرصاصي، ولا بخلط العمل الصالح بالسيئ، فإما أن تكون من اتباع (ست) إله الشر، وإما أن تكون من أتباع (اوزوريس)، وحتى إله الشر لا يمكن تصنيفه، فمصدره غير واضح، هل هذا الرأس هو رأس فأر أم صقر أم أن من وراء هذه الشرور هو كائن مبهم لا نعرفه؟

أكثر ما يؤلم في الأمر هو إصرار الجميع على أن فهم هذه اللغة لا يمكن إلا عن طريق الرجوع إلى حجر رشيد الذي اكتشف أثناء الحملة الفرنسية، وبه لغتان أخريان، بالإضافة إلى لغة المصريين القدماء، هما اليونانية والإغريقية، من قال إنه لم يكن مقلباً من شامبليون؟ انظر إلى الفضائيات وستشاهد مئات الألوف من الطرفين، تلك الوجوه التي قدت من الحجر وهي لا تحمل إلا نصاً مقدساً واحداً لا يحتاج إلى ترجمة، ويصرخ بوضوح «غلبة الدين وقهر الرجال»!

ومن أجمل الحِكم التي نقلت عن تلكم الرموز تلك الحكمة المشهورة على لسان صياد بسيط في النيل، قال للملك علمني الصيد ولا تتصدق علي بسمكة في كل يوم! النيل هو الآخر له قصة لا تقل تعقيداً أو تداخلاً عن لغة أهله المندثرة، فهو يصر دائماً على القرابين، ففي تلك الأيام نقلت هذه اللغة على صفحات البردي سعادة الفتيات الشقيات اللواتي كن يتزين بأبهى زينة، ويذهبن في أعراس حاشدة جموعاً وراء جموع، مطالبين النيل بالتغيير بإلقاء هؤلاء الفتيات فيه قرابين، كي تحصل مصر على موسم حصاد وفير، وكان النيل كما يروي ورق البردي نهراً متغير المزاج، يقبل تضحية القرابين تارة ويرفضها تارات.

لم أبك وأنا أرى تلك الحضارة تحرق وتهدم وتسرق آثارها، فقد اعتدنا الأمر على ما يبدو، ولكن ما أبكاني فعلاً في الحراك الأخير هم مجموعة من الأطفال من جنسية عربية أخرى رأيتهم في ذلك اليوم الممطر في الأسبوع الماضي في إحدى حدائق الشارقة يرفعون أيديهم في ساعة نزول المطر، وهي ساعة مستجابة، أعجبني منظرهم وسألتهم: لم تدعون؟ فأجابوني بصدق وبراءة: ندعو لمصر!

shwaikh@eim.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة