أبواب

أبانا الـ«فيس بوك»

خليل قنديل

حينما كتب كافكا روايته ذائعة الصيت «القلعة»، وجعل بطله المدعو «ك»، يدخل في سراديب القلعة وطرقها السرية وأنفاقها المتشعبة بحثاً عن الوظيفة المقترحة عليه، لم نكن نعلم أن كافكا يُشير من طرف خفي إلى نبوءة مفادها أن انسان العصر القادم سوف يدخل في متاهة السلطة التكنولوجية التي ستجعله يدخل في متاهة لا تنتهي، وهو يبحث عن موقعه الإنساني داخل هذه السلطة الجديدة.

والأمر ذاته في النبوءة التي أطلقها كافكا في روايته «المسخ»، حين نهض بطل الرواية ذات صباح ليجد نفسه قد تحول الى صرصار قُلب على ظهره في مشهد كابوسي نادر، وهو يستغيث كي يسترد إنسانيته.

وهكذا في توقعين متتاليين يكشف كافكا عن مصير غامض ومشتت للبشرية، تفقد من خلالهما البشرية سمات تواصلها المعهودة التي ظلت تترسخ عبر التاريخ الانساني، وتدخل في شبكات علائقية مقترحة وجديدة.

هل يمكن أن نغامر بالقول إن كافكا كان يتنبأ بالشبكة العنكبوتية التي ستقتنص الإنسان لاحقاً، لتقوده الى سراديبها المعرفية، وأزقتها السرية، بحيث يتحول لاحقاً الى رقم سري، وشاشة مكهربة تفتح له أبوابها المعرفية المطلقة بهذه الطريقة النادرة الحدوث تاريخياً، وتقتاد كل الناس الى مساحة الكتابة والتدوين والى الوصل والاتصال على هذا النحو المدهش.

إن من يراقب المواقع الالكترونية ومدى قدرتها على ربط الناس بمثل هذه الحميمية في التواصل يصدق نبوءة كافكا.

ومن راقب هيمنة المواقع الإلكترونية على ادق أسرار اناس الى مثل هذا الحد سوف ينتبه الى الدرجة التي صار موقع مثل «غوغل» يشترط على دوائر مخابراتية عالمية تود شراء مساحة من حجم الموقع، أرقاماً فلكية تكاد لا تصدق.

وإذا كانت الانتفاضة التي أطلقها الشباب المصري في ميدان التحرير اعتمدت في أساسها التواصلي، وفي دعوتها إلى تحديد ساعة الصفر الجماهيري للاحتشاد والتظاهر، على الـ«فيس بوك»، فإنه يمكن الجزم بأن إدارة «فيس بوك» كانت تعلم بساعة الصفر، وبموعد انطلاقة الانتفاضة قبل أي دائرة أمنية عالمية أو عربية.

والحال فإن السلطة السياسية العربية التي اعتادت التعامل مع ثقافة الصورة ومع المواقع الالكترونية عموماً بنوع من التراخي الذي تفرضه مسوغات التحرر واللحاق بركب العصر، سيكون عليها إعادة النظر في جدية مراقبة هذه المواقع مستقبلاً، وإعلان الحرب المسبقة على مثل هذه المواقع.

فاذا كان «أبانا الفيس بوك» يمتلك كل هذه القدرة على حشد الناس مثلما فعل في ميدان التحرير، فإن علينا إعادة النظر في كل خطابنا السياسي القائم، مثلما علينا إعادة قراءة نبوءة كافكا من جديد. 

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة