أبواب

تحذير: شعوب سريعة الاشتعال

محمد المرزوقي

عدد مجلّة الـ«نيوز ويك» الأخير، الذي احتل ـ كعادته ـ واجهات المكتبات، ودكاكين باعة الصحف، كان غلافه هذا الأسبوع ـ على غير عادته ـ صورة «هوليووديّة» الإخراج لشاب مصري ملثّم يقف أمام مساحة هائلة ومشتعلة من النّيران في ميدان التّحرير، كتبت عليها بحروف كبيرة :

RAGE

GOES VIRAL

وأعتذر عن ترجمة الجملة السّابقة لسببين: الأوّل لأنّ الأدباء يرون أنّ ترجمة الشّعر خيانة تستوجب الإعدام بالحرق، وأنا قطعاً لا أريد أن أموت بهذه الطّريقة البشعة. والجملة السّابقة من وجهة نظري، ملحمة شعريّة لو وضعت في كفّة ووضعت في الكفّة الأخرى كل الأشعار والقصائد التي كُتبت، وستكتب، بمناسبة ثورات الغضب العربيّة، لرجحت كفّة الـ«نيوز ويك». أما السّبب الثاني والأهم فلأنني لا أعرف ترجمتها!

داخل المجلّة تحقيق مصور، لم يخفِ كاتبه إدراكه مدى خطورة الوضع المشتعل في الشّرق الأوسط، الذي تسبّبت فيه عربة بائع الخضار محمّد البوعزيزي. لم يعلم البوعزيزي حين أحرق نفسه أنّ حرائق أخرى كثيرة ستشتعل على امتداد العالم العربي، حرائق لم يسمع بها الزّعماء ـ ربّما ـ من قبل، ولم يشعروا بحرارة نيرانها، ولـم يشتمّوا دخانها! ولم يعلم هؤلاء الزّعماء بأنّ الشّعوب مشتقّاتٌ غير بتروليّة سريعة الاشتعال، تعريضها لدرجات مرتفعة من القهر والفقر قد يتسبب في اشتعالها، كما تقول التحذيرات المكتوبة على بخّاخات الـ«تويتر» وعبوات الـ«فيس بوك» وزجاجات الـ«غوغل»!

وإذا ما اشتعلت هذه الشّعوب، فإنّ كل الطّرق التّقليديّة في إخماد الحرائق لن تجدي نفعًا! لن ينفع مثلاً إطلاق سيارات الشّرطة والإسعاف والإبل والخيول في الشّوارع لتدهس المتظاهرين المشتعلين! ولن تنجح محاولة إطفاء المشاعر الملتهبة والأجساد المشتعلة بخراطيم مياه سيارات الإطفاء ومضخّات الحرائق!

ثورة الغضب المصريّة كشفت عن أنانيّة سياسيّة مفرطة في العالم العربي، فالسّياسات العربيّة في معظم ممارساتها، كانت ـ ولاتزال ـ تطبيقات فرديّة، أكثر منها تطبيقات شعبيّة. لذا فقد عملت تلك السّياسات في معظمها بعيدًا عن مطالب الشّعوب وحاجاتها. لم يكن الأمر يحتاج إلى أكثر من عربة بائع خضار تحترق في «سيدي بوزيد» لتشعل النّور وتسلّط الضّوء على هذه الحقيقة البشعة.

يقول مكسيم غوركي في رواية «الأم» على لسان بافل فلاسوف «هذا الخوف هو دمارنا، والذين يستغلوننا يعرفون أنّنا نخاف فيزيدون في إخافتنا». الخوف هو ما كان يحكم تونس لا زين العابدين، وهو الذي يحكم مصر منذ أكثر من 30 عامًا، ويحكم أقطارًا عربيّة أخرى. آن لهؤلاء المراهنين على خوف الشّعوب الأبدي أن يجمعوا أشياءهم، بقايا خيباتهم، ويرحلوا. لقد خسروا الرّهان! فهذه الثّورة في مصر وضعت زّعماء عرباً آخرين في منتصف حرائقها، لا لتحرقهم، بل لتخيفهم بها، فيعملوا على إخمادها قبل أن تصل إليهم وهم منشغلون أو غافلون عنها وعن شعوبهم، فحين اندلعت الحرائق في مصر أعلن زعماء عرب عن إجراءات متعددة تهم حياة الناس.

لن ينتهي الأمر في مصر، سيأتي شعبٌ مقهورٌ آخر غداً، ليحضر عودًا، سعفة نخل، كومة أجساد ويستمرّ في إشعال هذه النار، وهذا النّور في آخر النفق!

فيا نار كوني بردًا وسلامًا على مصر!

almarzooqi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة