أبواب

جماهير السينما..أسئلة محيّرة

قيس الزبيدي

إن مصير الأفلام ونوعية إنتاج أشكالها ومحتواها، محكوم من جهة بالطبيعة الاقتصادية ومحكوم من جهة أخرى بعوامل اجتماعية ونفسية ذات احتياج معين. ولاشك أن هذه الحاجات تغيّرت مع تطوّر السينما، خصوصاً أن مضامين الفيلم الروائي الفكرية ونوعيته الفنية تتأسس بالعلاقة مع السيطرة المتنامية على تقنيته السينمائية، وعلى طبيعة استثماره الاقتصادي. وعلى الرغم من أهمية الجمهور في المعادلتين الاقتصادية والاجتماعية، فإن البحث العلمي لم يسلط الضوء الكافي على تركيبة الجمهور الاجتماعية، ولا على أسباب انصرافه في مشاهدة الأنواع السينمائية التجارية.

يحاور إيريك لوغيب في كتابه «السينما الفرنسية في قرن/ الفن السابع ـ 93 ـ ترجمة محمد علي اليوسفي» 64 مخرجًا ممن وضعوا بصماتهم السينمائية وحققوا نجاحهم الكبير عند الجمهور. وسنحاول هنا أن نتوقف عند المخرجين أنفسهم لنرى كيف يصنعون أفلامهم (للجمهور) أو (من أجل الجمهور)؟

ما مشكلة الجمهور؟

هذه المشكلة لم يوجد لها أي حل حتى الآن. فالجمهور يبدو مجرد كيان مُتخيّل، لا يجد أحد له وصفة سحرية، تساعد على كسبه. ويضع كلود سوتيه، أمامنا سؤالاً محيّراً: تمتلئ إحدى القاعات بالجمهور منذ اليوم الأول من دون دعاية، بينما تظلُ في قاعة أخرى، على الرغم من الدعاية والإعلان، خالية من الجمهور؟ هناك من ينجز أفلاماً ناجحة، حسب جاك ديمي، من دون أن يفكر في الجمهور، وهناك من يفكر في الجمهور دائماً وتفشل أفلامه. يرى مخرج آخر هو فليونيد موغي أن «معظم الجمهور أذكى بكثير من أفضل المخرجين الذين كثرت روائعهم السينمائية لدرجة مخيفة»، حتى بات المتفرجون لا يفهمون عبقريتهم وأخذوا ينصرفون عن مشاهدة أفلامهم. ونجد الآن رينيه، الذي يطارده شبح الجمهور، في حيّرة من أمره، فهو يحبُ دائماً تلك الأفلام التي لا يحبها الجمهور. ويقترح كلود شابرول حلاً هو «تقديم أفلام يفهمها الناس، لأن من يعمل غير ذلك، قد يكسب مريدين، لكنه سيندثر قبل اندثار السينما».

أين يبقى المنتج؟ يجيب دني سدي لا باتوليير: مسؤوليتي الأولى تجاه المنتج، فهو الذي يضع تحت تصرفي مئات الملايين، أما الثانية فهي تجاه الجمهور، الذي يتفرج على الفيلم، ويتيقن أنه يستحق المال الذي دفعه. ولأنه هو أيضاً من يتيح فرصة النجاح للمخرج، ليستمر في عمله. بناء على ذلك يطلب جان جيرو من كل سينمائي يحترم نفسه، أن يفكر أولاً في الجمهور. وحينما يشاهد مليون متفرج فيلمه، يُروّج جان رينوار، فلأن هذا يضعه في موقع إنتاجي أفضل، وإذا ما رفض الجمهور فيلماً آخر، يقول مارسيل كارنيه: «إن مخرجه يتعرض لكل الانتقادات، لكن عندما لا يحسن المتفرج السباحة ولا يستطيع أن يطفو، حسب آلان روب غرييه، يغرق الفيلم».

هل يبقى المخرج أسيراً للجمهور؟ ربما نجد الجواب عند الذين يسميهم لويس ديلوك «سادة الشاشة»، وهم كل من استطاع أن يكسب الجمهور الواسع ويكسب النخبة أيضاً. وسبق لفرانسوا تروفو أن تنبأ: سيستطيع الناس أن يتفرجوا على الأفلام في منازلهم، وستصير السينما العظيمة، التي كانت بالأمس مخصصة لعشاق السينما فقط، ملكاً للجميع!

هل تحققت النبوءة حقاً؟

alzubaidi0@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة