أبواب

الرجل «الديجيتال»

زياد العناني

في عُرف الثعالب من الليبراليين الجدد أصبح مفهوم تفكيك الدولة، وبيع مؤسساتها قطعة قطعة مجرد استثمار رابح يسهم في قوة اقتصادها. الثروات الطبيعية المكونة من الأسمنت والفوسفات والبوتاس والمياه والكهرباء دخلت صالة المزاد، وتم بيعها لمستثمرين أو غرماء لا أحد يعرف من هم؟ ولا أحد يعرف ما هويتهم.

حتى الجيوش الوطنية صارت تباع بالجملة وتخوض حروباً أممية في الشرق وفي الغرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. في السنين الماضية ــ أي قبل أن نصل إلى هذا الوضع المهترئ ــ كانت الحكومات تستدين وتجتهد لكي تدشن مشروعاً يسهم في إنعاش الاقتصاد ويحرك السوق المحلية، وكان المواطن منتجاً وله زرعه وضرعه ومصانعه المتواضعة، أما الآن فقد طارت المشروعات ودفع به إلى فداحة السوق المفتوحة التي همشت الفقراء وحصرت الثروة بين يدي نخبة راحت تبدل المفهوم الوطني بمفهوم الرجل «الديجيتال» الساخر والخارج من التيار العقلاني التنويري الذي آمن به الليبراليون القدماء، لكي يختصر المستقبل في ثقافة «المولات» فقط.

ها هي ثقافة «الديجيتال» بصبغتها التغريبية التي ما انفكت تطرد العقل المنتج، وترحب بالعقل المستهلك، وتبيع الثابت والمتحرك من بقايا الدولة الممزقة بأبخس الأثمان تتمدد حرة بيننا.

كل شيء صار يباع أو يأخذ منزلته ودوره تحت يافطة كتب عليها «برسم البيع» في أسواق حكومات يتمتع الليبراليون الجدد فيها بحصانة تجعلهم ينظرون إلى العامة نظرة متعالية لا علاقة لها بحريتهم، وإنما بحرية السوق، والأنكى من ذلك أنهم لا ينصتون أبداً إلى هموم الشارع، بل إن تاريخهم في بعض البلدان العربية منذ بداياته لم يربط النهج الليبرالي إلا بالفساد.

هل يعقل مثلاً أن نرى رجلاً من مجموعة «الديجيتال» لم يمضِ في الخدمة الحكومية أكثر من سبع سنوات يتسيد حقيبة وزارية، تتيح له أن يمتّن سطوته ويدير البلاد، ويتصرف في بيع مؤسساتها بيد طويلة حسم الانقسام حولها، ونُحي السؤال تماماً عما تخفي لتكون الحصيلة الطبيعية، بعد كل هذا الارتقاء كارثة كبرى تحيط بعموم المواطنين الذين صمتوا كثيراً عن هذا الغول الذي أمسك بعصب الحياة، ووضع في جيوبه مليارات عدة من عوائد التخاصية ومن عمولة المستثمر الأجنبي.

من المضحكات المبكيات أن كل من يقول للرجل «الديجيتال»: كفى! يجد أكثر من جهة تقول: إنه معادٍ للوطن! فلا مجال للسيادة الشعبية ولا مجال للكشف أو الشفافية، لأن بنيان السماسرة يشد بعضه بعضاً في غياب الديمقراطية والدستور، وحضور القوانين المؤقتة وعدم التفريق ما بين الدولة والسلطة.

وأخيراً، ألم يحن الوقت بعد للانقلاب على البديهيات السائدة، التي أسهمت في وجود الرجل«الديجيتال» في دورها وفي أدائها وكلفتها ومراجعة لحظتها التاريخية، التي وضعت ثروة الشعب في تصرف شخص يخدم حسابه المصرفي ولا يخدم الشعب، وقد يهرب بها ذات ليل، خصوصاً أن مفهوم الدولة لايزال داشراً في ظل عدم تطبيق القوانين الخاصة بإشهار الذمة المالية، وعدم تفعيل الحجز التحفظي على الأموال والأرصدة المنقولة وغير المنقولة لبعض اللصوص، الذين زادوا من مديونية بلدانهم جداً، وجعلوا صندوق الوطن خاوياً.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة