أبواب

صراع الفن والسوق

قيس الزبيدي

أعاد سمير فريد نشر كتابيه «حوار مع السينما العربية والعالمية - 1991»، و«محاورات مع السينما المصرية - 1993» في كتاب واحد حمل عنوان «حوارات سينمائية - صدر في سلسلة الفن السابع (158) في دمشق .2008 ويضم الكتاب 39 حواراً مع مخرجين مصريين وعرب وعالميين أجراها الناقد منذ العام 1967 حتى عام .1989 ونكتشف في أغلب حوارات كبار المخرجين المصريين أنفسهم، حديثهم عما سبق أن سمّاه الأب الروحي للسينما المصرية احمد كامل مرسي «أخلاقيات الوسط السينمائي» التي قادته شخصياً إلى اعتزال مهنة السينما.

ارتبط الفيلم المصري الطموح، بشكل مباشر «بمكوّنات» سياق تطوره التاريخي، أي بظروف نشأته وتمويله وتوزيعه وبالرقابة الرسمية والاجتماعية التي قيدته وخلقت سمة إنتاجيه تجارية استحوذت على الجمهور الذي يُقدر بالملايين ووضعت عقبات قوية أمام حركته. على هذا ليس من الإنصاف تقويم السينما المصرية، وفقاً لمعايير فنية وإبداعية، طالما استمر مخرج الفيلم الطموح أسيرا لجوهر طبيعة صناعته التجارية، حتى في حالات نجاح نماذجه الكلاسيكية. كيف؟

كان نيازي مصطفى يرى أساس مشكلة السينما المصرية في دور الموزع والتوزيع وكان يطالب الدولة بالتدخل لإنقاذ صناعة السينما بالتشريعات والقوانين الحضارية. أما هنري بركات فوجد المشكلة في نظام الإنتاج وضيق السوق، اللذين يقفان عقبة في تطور السينما الطموحة وفي صعوبة إيصال رسالة الفنان الجادة إلى الجمهور. ويعترف رائد الواقعية صلاح أبوسيف، بالدافع وراء اضطراره إلى إخراج أفلام تجارية لأن الموزعين كانوا يلقبونه بـ«مخرج الأفلام القذرة» ونتيجة للوضع الذي تعرض له زملاؤه الكبار وليتسنى له أن يواصل مهنته أخذ يوسف شاهين يؤمن بمعادلة «خطوة إلى الوراء وخطوتين إلى الأمام» التي كانت وراء جعله سعاد حسني تلجأ إلى الغناء، ووراء إخراج فيلم «رسالة من امرأة مجهولة» من اجل غناء فريد الأطرش، وفيلم «الوسادة الخالية» من اجل غناء عبد الحليم حافظ، لأن الأغنية كانت ـ حسب هنري بركات ـ ضرورة تجارية سواء أراد المخرج أم لم يرد.. وسيضطر مخرج أحد أهم الأفلام في تاريخ سينما مصر «حياة أو موت» إلى استعمال الأغنيات في أفلامه حتى يقبلها الجمهور، لأنه اكتشف أن الفيلم الواقعي وسيلة صعبة للاتصال. ويؤكد فارس السينما المصرية توفيق صالح، نتيجة لخبرته وتجاربه الصعبة «عندما يكون لك مفهوم ثوري للسينما في هذا الوطن العربي إما ألا تعمل أو تنتحر، لأنه لا معنى لوجودك والحل الثالث هو أن تعيش على الهامش».

وعندما تحول مخرج «البوسطجي» إلى إخراج الأفلام التجارية حقق فيلمه «أبي فوق الشجرة» أكبر الإيرادات في تاريخ السينما المصرية، ولم يتوقع شادي عبد السلام طبعاً أن يحقق «المومياء» نجاحاً مماثلاً عند الجمهور له، لكنه توقع أن ينجح. وها قد مضى على اعتقاده أكثر من 40 عاماً ومازلنا ننتظر أن يحقق جمهور السينما المصرية ذلك الاعتقاد. يسأل الناقد المخرج الموهوب سعيد مرزوق، كيف ترى المستقبل؟ فيرد عليه «قل لي كيف تراه أنت؟».

alzubaidi0@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة