أبواب

ولا غالب إلا الله

سالم حميد

في الثاني من يناير عام 1492م، انتهى مجد العرب وسلطانهم في إسبانيا بسقوط آخر معاقلهم غرناطة، بعد حكم دام 778 عاماً، لتحتفل أوروبا بأكملها بذلك الانتصار العظيم، وقام ملك «أراجون» فرناندو بإرسال سبايا العرب من أجمل فتياتهم، يسوقهن حاسرات شبه عاريات إلى البابا «أينوسنت الثامن» في احتفالات النصر بشوارع روما، ومع حلول عام 1609م، تمكنت إسبانيا بصورة نهائية من إخلاء غرناطة من سكانها المسلمين واليهود كافة، وفي الثاني من يناير عام ،1939 استحدث الجنرال فرانكو يوم احتفال رسمي لمدينة غرناطة، أطلق عليه «يوم غرناطة»، وهو يوم إجازة رسمية لغرناطة من كل عام، إذ يقوم مدير بلدية المدينة بالتوجه إلى شرفة الكاتدرائية وسط المدينة، لرفع علم غرناطة الإسباني أمام الجماهير المحتشدة للاحتفال بهذا اليوم التاريخي، وتلك الكاتدرائية كانت في السابق المسجد الجامع الرئيس في المدينة، وبعد تمكن الإسبان من اقتحام المسجد وتحويله إلى كاتدرائية، توجهوا نحو قصر الحمراء، وقد غلبتهم الدهشة مما تراه أعينهم من أبنية ونوافير ومخادع فخمة مزينة ومطرزة بالأرابسك، وما في الجدران والسقوف من زخارف في غاية الروعة، تحت عنوان «ولا غالب إلا الله»، وعندما تم وضع التاج الإسباني في قاعة القصر الرئيسة دخل من تبقى من وجهاء العرب في غرناطة، لتقبيل يدي الملكة إيزابيل وزوجها فرناندو، وتقديم طاعاتهم وولائهم لهما، وبهذا الشكل انتهى الحكم العربي بشكل نهائي لم يحافظ عليه «أبو عبديل» كالرجال، وبكى كالنساء تماماً، كما قالت له والدته، وهو عائد إلى مدينة فاس المغربية، ثم قُتل في عام 1536م، أي بعد مرور 44 عاماً على سقوط غرناطة، وذلك في حروب داخلية في فاس، فقال عنه المؤرخون الإسبان ما يلي: «قُتل أبوعبدالله في سبيل الدفاع عن مملكة سواه، بعد أن جبن عن أن يُقتل في الدفاع عن حوض مملكته».

اليوم، يعتبر قصر الحمراء الكنز الأكثر ارتياداً في إسبانيا، وبلغ عدد زواره في العام الماضي أكثر من ثلاثة ملايين سائح، وشخصياً زرته حتى الآن أربع مرات، ولم أملّ زيارته، لما فيه من إبداع معماري يُبهر الزائر، وخلال الشهر الجاري حاولت حضور فعالية رفع مدير البلدية العلم الغرناطي من شرفة كاتدرائيتها، ولكنني تأخرت عن الحدث، مع العلم بأن هناك العديد من الناشطين الإسبان الذين يعارضون هذه الفعالية العنصرية تجاه الجالية العربية في غرناطة، وكذلك بعض الناشطين في حقوق الإنسان من الإسبان، ولكن بلدية غرناطة لاتزال مستمرة حتى يومنا في الاحتفال بهذا الانتصار العظيم، وفي زيارتي الأخيرة سألت «باستهبال» أحد المرشدين السياحيين في قصر الحمراء عن معنى عبارة «ولا غالب إلا الله»، التي تزيّن الأرجاء الداخلية كافة في القصر، فأشار بيده نحو أحد الجدران المملوءة بعبارات عربية مكتوبة بالقلم «الفولمستر»، قام السياح العرب بكتابتها لتشويه الجدران الجميلة في القصر، ثم سألني بخبث عن معنى إحداها: «انتهى مجد العرب الضائع»، رددتُ عليه «ولا غالب إلا الله».

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة