5 دقائق

(هل يمكن أن أعمل في الإطفاء؟!)

عبدالله الشويخ

منذ أعوام عدة حلفت عليّ الوالدة ألا أتكلم في السياسة، وأنا مُصرٌ على الحفاظ على وعدي لها، لكي أحصل على أجر برها أولاً! وثانياً لأنه لا معنى لأن تتحدث في ما لا تفهم فيه.

لذا فلن أعلق كثيراً على غرابة الأخبار التي جعلت الرياضي الأول والسيدة الأولى يتحولان إلى مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق في وسائل الإعلام العربية خلال فترة أقل من 24 ساعة! وإن كانت إشارة لا تبشر بالخير لإعلامنا الذي يطلب المزيد من الحريات التي لا يستحقها.

ولكن النقطة التي وقفت عندها طويلاً هي تحول ذلك الشاب الذي أحرق نفسه - غفر الله له- إلى بطل ثوري، فعلى الرغم من أن ما قام به قد تسبب في نهايات برائحة الياسمين، إلا أن ما قام به كفعلة فردية، وهي إحراق نفسه، عملية بشعة من النواحي الدينية والبشرية والإنسانية، وعلى الرغم من جميع التحليلات، فإن من المؤكد أن السبب ليس رغيف الخبز وحده، فمن زار البلد الأخضر يعلم بأنه يمثّل بالنسبة لدول المغرب العربي ما يمثله لبنان بالنسبة لدول المشرق، أي أن شعبه يحب الحياة والانبساط، ويستطيع الحصول عليهما بغض النظر عن حالته المعيشية أو الاقتصادية، ومن يختزل التغيير في رغيف خبز فهو يهين ثقافة ودوافع الشعب التونسي من حيث لا يعلم!

لا أستبعد أن يحصل الشاب الذي أحرق نفسه، مستقبلاً، على شارع باسمه، وربما جامعة، وربما سيسمى مبنى البرلمان الجديد باسمه، وباسمه ستُمنح جائزة للسلام، وربما أيضاً وجدنا بعد فترة أنواعاً من العصير أيضاً بالاسم ذاته، على غرار «عبود وبرج العرب وطلياني» لدينا.

لكن أن يلحق بذلك الشاب مجموعة من الشباب المغرر بهم، فيقوم شاب مصري بإحراق نفسه أمام البرلمان بعد أسبوع، وشاب جزائري أحرق نفسه، ثم لحقه بقية «لعيبة التركس»، فأحرق ثلاثة آخرون أنفسهم، ثم قام شاب موريتاني بإحراق نفسه، فآخر أردني في إربد، وفي سورية... هنا نحتاج إلى أن نتوقف، إن العقلية التي تدفع شاباً لإحراق نفسه، لأنه لم يحقق أهدافه، لا تختلف كثيراً عن العقلية التي تقنع شاباً آخر بتفجير نفسه في حضانة أطفال أو في سوق عامة.

على علماء الأمة ومفكريها إيقاف هذا السخف، قبل أن يتحول إلى «موضة» لدى الشباب، وتذكيرهم بأن الغاية لا تبرر الوسيلة، وأن النفس ليست ملكاً لصاحبها، لذا شددت مقاصد الشريعة على تحريم الانتحار، وتوعدت صاحبه بأقسى العقوبات. لا أريد أن أُقذف بأنني ضد ما حدث أو معه في مجمل التغيير الذي حدث في تونس الحبيبة، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولكن الأسلوب سيفرض نفسه، إن عاجلاً أم آجلا، وسيفرق من كونه شرارة أشعلت فتيل ما بعدها إلى أن يتحول إلى مهرجان «شلق» سخيف سيحرق فيه البعض أنفسهم وآخرون من بعدهم.

shwaikh@eim.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة