يا جماعة الخير

مَن المخدوع؟ ومن سيدفع الثمن؟

مصطفى عبدالعال

سلوك العاقل يدل على عقله، وعلاج العليل يبدأ بدقة شرح علته؟ فلو أني أخفيت عن الطبيب حقيقة علّتي ستظل العلّة، وما أخطأ الطبيب ولا قصّر الصيدلي، ولو أنكرت أعراضاً أعرفها وادّعيت أعراضاً لا وجود لها لأستدرج الطبيب للبعد عما لا أريد من علاج، فأنا من سيدفع الثمن، ربما تدهوراً في الصحة وربما دفعت حياتي كلها ثمناً لخداعي، وهكذا حين نضلل المفتي في عرض معاملة في الربا أو المواريث أو ما إلى ذلك لنأخذ منه ما يوافق هوانا، فليس هو المخدوع إنما المخدوع من خدع نفسه.

ثم من الواعظ المفتي؟ الواعظ كالطبيب، والفقيه كالصيدلي، يقضي كلاهما عمراً في البحث والدراسة حتى يتعلم الصيدلي علم الدواء، ويضعه تحت يد الطبيب، ويتعلم الطبيب بدوره كيف يشخص الأمراض ليصف العلاج من دواء الصيدلي، فلو أني سألت واعظاً غير فقيه فكأني أستشير طبيباً غير عالم بالدواء.

وكما أن الطبيب يعالج بالدواء أمراض الأجساد، فإن الواعظ يعالج بالفقه سلوك الأفراد، فحاجتنا إلى الواعظ الفقيه كحاجتنا إلى الطبيب العالم بالدواء، وكلما عرض المريض علّته بوضوح كان أكثر عوناً للطبيب على دقة التشخيص، ومن ثم العلاج الشافي بإذن الله، فمن يريد علاج سلوكه أو بدنه لابد أن يقولها للواعظ أو للطبيب صادقاً:

 هذه علّتي وأنت طبيبي           ليس يخفى عليك في النفس داء

كم من غافل ضيع نفسه حين دارى عن المفتي شيئاً وهو يستفتيه ليستخلص منه حكماً على هواه، وهذا ما جاء مستفتياً وإنما جاء ليستوفي شكلاً، وما تحرى الصدق في الدين، وما علم هذا المسكين أنه ضلّ وأضلّ وضيّع على نفسه مصلحتها الحقيقية، بل عرّضها لنقمة الله وغضبه، ولو أنصف لأدرك أن هذا التحايل ليس سبباً في مخالفة الشرع فقط، بل هو سبب في ضياع الدين بالكلية، ومعه تضيع الدنيا وإن أخذت زخرفها وكانت زينتها مرضية، وذلك بصريح قول المولى سبحانه { فَلاَ وَرَبكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتىَ يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُم لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مما قَضَيْتَ وَيُسَلمُواْ تَسْلِيماً}، وإذا كنت يا صاحبي تبحث عن الصواب الذي تنال به الحلال المبارك فلِمَ تخدع نفسك وتحرمها مما فيه صلاحها وأنت تظن أنك تخدع المفتي أو الطبيب؟ تأمّل قوله سبحانه: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}، وتخيل رجلاً طلّق امرأته ثلاث طلقات متفرقات فأصبحت بائنة بينونة كبرى لا تحل له إطلاقاً، إلا في حالةٍ لا ينتظرها عاقل، وذلك إن تزوجت زواجاً طبيعياً ــ لا بنية المحلل ــ ثم قُدرَ أن مات زوجها أو طلّقت منه ــ بغير اتفاق مسبق ــ فإنها حين ذاك تحل للأول مع شرط أخطر وهو أنه لابد أن تكون تمت علاقة زوجية بينها وبين الزوج الجديد، فلو طلّقها قبل جماع معها لا تحلّ للأول! تخيل رجلاً طلّق ثلاثاً ثم أنكر، ليفتيه المفتي بالرجوع، فهل يعلم أنه يعيش معها حراماً تتنزل عليهما اللعنات وكلما جامعها مرة كان كمن يزني بأمه؟ فمن المخدوع ومن الذي سيدفع الثمن؟

المستشار التربوي لبرنامج «وطني»

mustafa@watani.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة