أبواب

مشكلات الثقافة العربية (2)

محمد المرزوقي

كان العرب في الجاهليّة يعبدون أصنامًا/أوثانًا يصنعونها بأيديهم من تمرٍ وحجارةٍ وخشب، فإذا جاع العربيّ وصنمه مصنوعٌ من تمر أكله، وإذا كان من خشب أحرقه عند البرد، وإذا كان من حجارة هدمه عند الحاجة لبناء «فيلا' لأحد أبنائه!

مرّت قرون عديدة، انتشر خلالها الإسلام، وحرّر الناس من عبادة تلك الأصنام وأنهى عقودًا من الجهل والجاهلية. إلا أنّ العرب ـ للأسف ـ عادوا اليوم إلى الجاهلية من جديد، ولكنها جاهلية من نوعٍ آخر وبلباس مختلف، جاهلية ثقافية أدبيّة. والأصنام التي كان يشكّلها آباؤنا من التمر ويسمّونها «هبل» و«يغوث» و«يعوق» أضحت اليوم تحاك من ورق ونسميها «أدباء» و«شعراء»!

يقول غازي القصيبي في كتابه «استراحة الخميس» إن نزار قباني كان شاعراً عادياً، ثمّ يفسّر سبب شهرة نزار بأنّه كان رجلاً كثير الإتصالات والعلاقات مع مختلف الأطراف الثقافية والأدبيّة، وأنّه كان بارعاً جداً في البقاء تحت الأضواء. أعتقد أن غازي القصيبي أيضاً كان يجيد البقاء تحت الأضواء!

نزار قباني وغازي القصيبي ابنا مرحلةٍ واحدة، كان النّقد فيها يعجز عن تقديم وعي نقدي كافٍ، واكتفى بالدّور السّلبي للناقد وهو الدّور الذي يكون فيه النّقد تابعاً وخادماً للنّصوص. يعرضها، يفسّرها، يبرز الجماليّات فيها ويهوّلها، ويتستّر على ما فيها من قبح، بل يبرّره ويدافع عنه في بعض الأحيان!

ذلك النّقد اللاموضوعي وغير الجادّ هو الذي يسهم في تكوين صورة الصّنم للأدباء والمثقفين في الوعي العربيّ. إنّه نقدٌ جبان، فيه كثيرٌ من الاتّكاليّة والهرب من المسؤوليّة. فيتنصّل النّاقد من مسؤوليّة تقييم الشّعر/النّص بموضوعيّة وحياديّة إلى عبادة شخص الشّاعر. وبهذه الطّريقة يجني النّاقد على الشّاعر نفسه قبل أن يجني على الشّعر! فالذين ينفخون البالونات لا يفعلون شيئًا سوى تعجيل لحظة انفجارها في وجوههم ووجوه من حولهم يوماً ما.

في كتابه «الثّعلب الذي فقد ذيله» يصف الدكتور رشيد ياسين الشّاعرعبدالوهّاب البيّاتي بأنّه كان كالعاشق الغيّور الذي لا يطيق أن يشاركه أحدٌ في المرأة التي يحبّ؛ وذلك لأنّ البياتي كان يعتقد ـ بنرجسيّة مفرطة ـ بأنّه لا مكان تحت الشّمس إلا لشاعرٍ واحد.. هو! وقد أسهم النّفاق الثّقافي الذي كان يمارسه مَن حوله مِن الكّتاب والمريدين، والألفاظ الفضفاضة التي كان يغدقها عليه النّقاد في صقل شخصيّته النرجسيّة تلك. لدرجة أنّه كان يفتعل حروباً «دون كيشوتيّة» مع غيره من الشّعراء كالسيّاب ونزار قباني ونازك الملائكة ولميعة عباس وغيرهم، لأنّه لا يطيق أن يوجد في ساحة الشعر فارسٌ غيره!

ليس النّقاد وحدهم المسؤولين عن هذا الوضع المأساوي. فالقارئ العربي ـ في نظري ـ شريكٌ أيضاً في هذه الجريمة الثّقافيّة؛ لأنّه لايزال يعامل كتّابه وأدباءه كما يعامل الدّراويش الأنبياء والقدّيسين، يحوّلهم إلى أصنام تعبد! وهو بذلك يفسح المجال ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ لمن أبدع مرّة في أن يمارس استبداده الأدبيّ.. وإلى الأبد!

نحن بحاجة ملحّة إلى إعادة النّظر في أدبنا الجاهلي المعاصر، ونقده وفق القواعد العلميّة الجادّة، بعيداً عن التّقديس المسبق، وبعيداً عن المحسوبيّات والمجاملات! والبداية يجب أن تكون بالأدباء الذين تم «توثينهم» في معبد ثقافتنا العربيّة على مدى عقود طويلة.

al-marzooqi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة