من المجالس

عادل محمد الراشد

لم تفلح محاولات الانتحار حرقا في مصر والجزائر وموريتانيا في إشعال ثورة شعبية عارمة تقلب الأوضاع، كما حدث مع «بوعزيزي»، الذي أصبح رمزاً للثورة التونسية على بن علي و «البورقيبية»، ربما لأن العفوية هي التي وجهت فعل الشاب التونسي المقهور، فجعلت رد فعله على سلبه حقه في الحياة خارج حدود السيطرة الذهنية، الأمر الذي جعل وقع الحدث على الشارع التونسي، المعبأ بالقهر أصلاً، إلى الانتفاض بطريقة استعصت على كل وسائل السيطرة البوليسية والخطابية.

ولكن إقدام أولئك المواطنين العرب على اللجوء إلى أقسى الحلول لمشكلاتهم المعيشية من خلال قتل النفس وبأشد الوسائل قسوة وبشاعة وهو الحرق، يجب أن يُحدث في الواقع العربي انقلاباً تحليلياً يتجاوز بكثير مجرد إلقاء التهمة على الجوع والبطالة. فثقافة الانتحار لم تكن في أي وقت جزءا من التكوين الثقافي للإنسان العربي بكل معتقداته السماوية التي تحرم قتل النفس، ولكنها استحدثت في الحقبة الأخيرة تحت لافتة الجهاد وكانت بدافع رفع الظلم الآتي من الخارج، حتى تجاوزت كل الحدود وخلطت كل الأوراق، ثم تتطور اليوم بشكل أكثر تطرفا وأشد قسوة وكأنها تؤسس لسلوك يمثل أقوى أسلحة التعبير عن رفض الظلم وهو سلوك التخلص من الذات وليس التضحية بها، وبين الاثنين فرق بيّن، واستشراء مثل هذا السلوك لن يكون على حساب أصحابه فقط، وإنما ستكون له عواقب لا يجب النظر إليها من الزاوية الأمنية فحسب، وإنما من الجوانب كافة التي تشكل دوافع سلوك المواطن العربي وتدفع به إما إلى الشعور بالرضا والإقبال على الحياة بتفاؤل، وإما إلى اليأس والاستسلام للغضب إلى المستوى الهستيريا المدمرة.

وأحسب أن الاستبداد هو العنوان الذي ترد تحته كل المظالم ، والفساد هو السم الذي تتفسخ بسببه المجتمعات، حتى تصبح نار الانتحار فيها أهون على صاحبها من العيش في نار هوانها.

adel.m.alrashed@gmail.com

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة