أبواب

لطمة خفيفة على الجبهة

سالم حميد

غالباً ما أفضّل في السفر المبيت في القصور التاريخية التي تم تحويلها إلى فنادق تراثية، إذ أجد فيها بقايا من عبق التاريخ وحكايات السابقين، وعدتُ أخيراً من رحلة قصيرة إلى لوس أنجلوس، سكنت خلالها أحد تلك القصور الفندقية؛ عندما كنت جالساً في صباح يوم بارد جداً على غير عادة هذه المدينة المعتدلة الطقس، وأقرأ جريدتي واحتسي قهوتي الصباحية في صالة الاستقبال الصغيرة التي كانت خالية تلك اللحظة من موظف الاستقبال، جاءني أميركي غاضب، عرفت من لهجته أنه من تكساس، يكيل عبارات الاستهجان والغضب من تعطل جهاز التدفئة، وأنه لم يستطع النوم على الإطلاق طوال الليلة الماضية بسبب البرودة العالية، وأنه حاول الاتصال بموظف الاستقبال مراراً وتكراراً، لكنه لم يتلقَ أي إجابة، وأنه لن يأتي إلى هذا الفندق مرة أخرى. شخصياً، لم أعتقد أنه كان يظن أنني أعمل في الفندق، ولكنني هدّأت من غضبه، وقلت له: «سيدي، أنا معتاد على المدافئ الأوروبية القديمة وأجيد التعامل معها، وأعتقد أنني أستطيع أن أصلح هذه المدفأة في غرفتك، ودعني أذهب معك إليها».

دخلت غرفته ووجدت أن المدفأة بالفعل معطلة عن العمل، فقمت بنزع أغطيتها وإعادة تهيئتها و«تضبيطها» من جديد، واستغرقت العملية نحو ربع ساعة، اتسخت خلالها ملابسي، وعندما انتهيت من ترتيب المدفأة وتشغيلها قلت له: «الآن كل شيء جاهز، وها هي المدفأة تعمل، يُرجى الانتظار 10 دقائق، وستكون الغرفة دافئة». عندما هممت بالانصراف شكرني الرجل «التاكسسي »كثيراً، ثم فتح محفظته وأخرج خمسة دولارات ليعطيني إياها، فـ«البقشيش» في المجتمع الأميركي يُعدّ أمراً إلزامياً. حينها فهمت أنه اعتقد أنني أعمل في الفندق، لكنني لم أقل شيئاً واعتذرت بكل تهذيب عن قبول البقشيش، لكنه قام بمضاعفة المبلغ ورجاني قبوله، فاعتذرت مجدداً وخرجت من الغرفة، ثم صادفتُ الرجل لاحقاً في صالة الفندق وهو يثني عليّ أمام مدير الفندق، ويكيل الإطراء والمديح المبالغ فيه عن الموظف الرائع في هذا الفندق، وكان مدير الفندق يسأل عن اسم ذلك الموظف، عندما رآني «التاكسسي» أشار إليّ، وقال: «هذا هو..»، فلطم مدير الفندق جبهته، وقال «إنه السيد سايلم، أحد نزلائنا المميزين منذ سنوات»، شعر «التاكسسي» بالإحراج الكبير، ورفع قبعة «الكاوبوي» معتذراً، فقلت له: «سيدي، لم أشعر بأية إهانة، فلا يعجزُ القوم إذا تَساعدوا، وأنت حينها كنت بحاجة إلى مساعدة».

تلك اللطمة الخفيفة على جبهة ذلك المدير تذكرني بموقف آخر عندما كنتُ مسؤولاً عن فعالية محلية، وكنتُ حينها مشغولاً للغاية، ونزعت غترتي وعقالي وتحركت بين مختلف أقسام إدارتي للاطمئنان على سير الأمور، وكان القسم فيه بعض الطالبات الجامعيات المتدربات، وعندما رأتني إحداهن، وهي لا تعرفني، معتقدة أنني «الفراش»، قالت لي «إنته إيه تعال»، ثم أمرتني برفع صينية الشاي من الطاولة، فقلت لها «إن شاء الله»، ورفعتها إلى المطبخ، فلطمت إحدى الموظفات جبهتها وقالت لها: «ماذا فعلتِ؟ هذا مديرنا!».

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

تويتر