أبواب

شمس تونس

علي العامري

وردة للبلاد التي اجترحت شمسها، في زمان الظلام.

وردة للتراب الذي أطلق الشمس من عتمة الكهف نحو النهار.

وردة للفتاة التي زغردت فوق خط السماء، ونادت خيول البراري لتصهل فوق الهضاب.

وردة للفتى. وردة للعزيز الذي أشعل النار في روحه، ليرف العلم.

وردة للأمهات اللواتي أضأن البيوت، وأشرعن للعصافير بيت المدى.

وردة للطفل إذ يتذكر صرخته الأولى عند الولادة، ويركض في برية الحرية حراً مثل جناح.

وردة للتلاميذ وهم يكتبون «التراب الوطني» في دفاترهم، ويفتحون كتاب الحلم بغدٍ أجمل، وردة للصبية وهي تجدل شمساً جديدة، وتفتح بوابة البحر حتى يليق النشيد بأرض ترفرف في القلب مثل نغم.

وردة إلى تونس التي تكتب الضوء في سيرة جديدة، وتدشن طريقاً إلى شمس جديدة، وردة إلى البوعزيزي الذي جعل من جسده فتيلاً لشعلة الحرية، ونقش الصباح نقطة نقطة في كتاب الزمان، وردة لصرخة أزهرت ياسميناً على شرفات البيوت.

سنوات طويلة امتدت مثل ليل طويل، لكن الصرخة جاءت وأضاءت القلوب والشوارع والأشجار، وكانت تونس على موعد مع الحرية، بعدما اكتحلت عيونها بالتعب سنوات طويلة، كان الموعد، وكانت روح الناس تتقدم في مواكب النشيد، إلى أن زغردت أرض الزيتون التي توصف بالخضراء دائماً.

كانت تونس على موعد مع الشمس، وكانت محط أنظار العالم كله، وتواصل المشهد من دون توقف، بدءاً من عربة البوعزيزي الصغيرة، شرارة جسده التي أعلنت مسيرة الشعب إلى شمس الحرية، المشهد كان متأججاً، وظل متأججاً، وكانت روح الشهيد البوعزيزي تضيء درب انتفاضة الشارع، وتواصلت مواكب الشهداء والاحتجاجات والتظاهرات يوماً بعد يوم، ولم تتعب روح الشعب، لأنها إرادة الحياة، وكان معنى الوطن أساس كل صرخة، إلى أن تجلى الصبح في الأرواح والتراب والجبال والبحر والقرى والمدن، وفي دفاتر الطلاب، وفي كتاب الشعب.

وقف العالم مبهوراً ومندهشاً، كأنه لم يصدق أن شعباً في أقل من شهر اجترح شمسه بيديه، ولم تفتر همته باتجاه يومه الجديد.

درس شمسي، قدمته تونس، إنسان والأرض، إلى العالم، درس في الحرية سطره الشعب التونسي، درس في الصبر أيضاً، ودرس في كيمياء الغضب، ودرس في الياسمين، إذ أكدت تونس أن الخبز والحرية والكرامة لا يمكن أن تسمى الحياة حياة من دونها.

كان المشهد جديداً، وكان العالم يوجه أبصاره إلى شمس تشرق من تونس الخضراء.

 alilameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة