من المجالس

غدر القوة

عادل محمد الراشد

كنت قد عدت للتو من مقبرة بني ياس بعد حضور صلاة الجنازة ومراسم دفن رجل بسيطأ رقد بسلام في زاوية من زوايا وطنه الآمن بفضل الله، تشيعه دعوات المصلين، وتترحم عليه ألسنة وقلوب المشيعين. وفي طريق العودة من المقبرة كان مذيع نشرة الأخبار يقدم صورة عن آخر محطات الرئيس التونسي المنصرف زين العابدين بن علي وهو يطوف الأجواء بحثاً عن ملجأ يقبله بعد أن ضاقت عليه كل أراضي وزوايا بلاده التي كان حتى يومين مضيا يشعر بأنه يملكها ومن عليها بسلطان القوة، فأصبح خلال ساعات بلا حول ولا قوة بعد أن تبرأت منه حليفته فرنسا، وهي التي وقفت في آخر صف منتقدي نظامه حتى أصبح سقوط هذا النظام حقيقة لم تستطع أن تخفيها أدخنة الحرائق التي اشتعلت في كل المدن والمحافظات التونسية. هذا المشهد نقلني إلى عام 1979 عندما حسم أمر شاه إيران داخل بلاده التي لفظته، فراح يبحث عن أحد من أولئك الذين ظلوا يفرشون السجاد الأحمر تحت قدميه أينما حل، فكانت الولايات المتحدة الأميركية أكبر حلفائه أول المتبرئين منه ومن شر يأتي من ناحيته، فبقي معلقاً بين الأجواء على الرغم من مغالبته الموت بسبب إصابته بمرض السرطان إلى أن وجد له ركناً في مسجد الرفاعي بعاصمة المعز يكون له لحداً يبدأ فيه فصل جديد من حساب بلا عمل، بعد أن انتهى عهد العمل بلا حساب. هكذا الدنيا، قصيرة للعارفين بحقيقة غدرها والمدركين ضعف بنيانها وإن ادعت ملامسة الثريا، وهي تبدو دائمة مخلّدة لمن شغله طول الأمل بها عن حسن العمل فيها. في مكان قلوب وألسنة تلهج بالدعاء لشخص رحل ولم يكن يملك من دنياه غير السيرة الحسنة والأثر الطيب، وفي مكان آخر تصب اللعنات على أشخاص جيّشوا كل أسباب القوة لكتابة سير وتسجيل إنجازات لم تشفع لهم في الحصول على مكان بحجم قبر على أرض بلادهم.

adel.m.alrashed@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة