أبواب

إن لم تجدوا الخبز..فاحرقوا أنفسكم

محمد المرزوقي

يقول أمين الريحاني «إنّ الثورة الفرنسيّة كانت أهمّ وأعظم حادث دوَنه لنا التاريخ»، وذلك لأنّ تأثيرها لم يقتصر على فرنسا فحسب، بل امتدّ ليشمل كلّ أنحاء أوروبا والعالم بعد ذلك. تماماً مثلما يحدث عندما يلقي أحدنا بحجرٍ في بركة ماء راكد، فتتشكّل دوائر وتموّجات تكبر وتنمو ــ بالتدريج ــ لتغطّي صفحة الماء بأكملها! كتب أمين الرّيحاني هذا الكلام في كتابه «نبذة في الثورة الفرنسية» عام ،1902 أي قبل أن تندلع ثورة الخبز التّونسيّة بأكثر من 100 عام.

كان ارتفاع أسعار الغذاء أحد أسباب الثّورة. وصاحب هذا الارتفاع انخفاض موازٍ في سعر الإنسان، حتّى صار سعره أرخص من كيس الخبز! ووصل إلى مسامع ماري أنطوانيت، ملكة فرنسا آنذاك وزوجة الملك لويس السادس عشر، أنّ الشّعب الجائع لا يجد خبزاً يأكله! فأصدرت «فرماناً» أميرياً يمنع النّاس أن تجوع مجاناً. إذ لم يكن يُسمح لأيّ مواطن أن يقوم بأيّ شيءٍ دون ثمن.. حتى لو كان الجوع!

وقالت بعد ذلك قولتها المشهورة: «إن لم تجدوا الخبز فكلوا البسكويت»، وفي روايةٍ أخرى صحيحة كذلك «احرقوا أنفسكم»!

لم تعلم ماري أنطوانيت أنّ الجوع كائنٌ سرياليّ معقّد، أكبر من قدرة عقلها الصّغير على الفهم. ولم تعلم كيف يمكن أن يكون رغيف الخبز أهمّ ــ لدى الشّعب الفرنسي ــ من تسريحة شعرها، و«شنطة» يدها، ومن علبة مكياجها ومرآتها التي تخبرها كلّ ليلة أنّها أجمل\أفضل حاكمة.

يقول الفيلسوف الصّيني منسيوس: «الجائع لا يعرف الحكمة»!

بالطّبع لم تسمع الأميرة «المزيونة» ماري أنطوانيت، بهذا الفيلسوف ولا بمقولته ولا بالجوع، فقد كانت علاقتها بالجوع تشبه إلى حدٍ ما علاقة جدّي بقمصان «زارا»، ومن لم يجرّبه ــ أي الجوع وليس قمصان «زارا» ــ فلن يدرك معناه، ولن يفهم مدى الحاجة التي يشعر بها الإنسان الجائع. فالمحتاج إلى الرّغيف في حالة انعدامه قد يرتكب أيّ شيء ــ وكلّ شيء ــ من أجل الحصول عليه. قد يسرق، قد ينهب، وقد يثور! فالضّرورات تبيح كل أنواع المحظورات والثّورات، كما تقول القاعدة الفقهيّة والقاعدة البشريّة. لم يكن عجز فرنسا في توفير الخبز لشعبها بسبب نقصٍ في الموارد أو لزيادة أعداد الفرنسيّين، ولكنها نتيجة طبيعيّة لتفشّي الظّلم والبرجوازيّة، وسيطرة الجشع، حيث كانت ماري أنطوانيت تنفق في إسراف على الحفلات الفاخرة والعروض المسرحيّة والمقامرة، وتغدق الأموال على المقرّبين لها، دون أن تعطي أيّ اهتمام للأزمة المالية التي كانت تعصف بفرنسا آنذاك، أو للشّعب الذي كان يتضوّر جوعاً!

أصبحت ماري مكروهة جداً، وما هي إلا أشهر حتّى ثار الشّعب الفرنسي عليها ــ وزوجها ــ وأسقط حكمهما الاستبداديّ.. وإلى الأبد!

بقي أن نذكر أنّ المقولة المشهورة «إن لم تجدوا الخبز فكلوا البسكويت» والتي تنسب ــ دون أيّ دليل ــ إلى ماري انطوانيت، ذكرها جان جاك روسو في كتابه الاعتراف، ولم يذكر اسم المرأة التي قالتها. مع ذلك يذهب البعض إلى القول إنّ تلك العبارة كانت القشّة التي قصمت ظهر الشّعب الفرنسي، وعجّلت في ثورته التي انتهت بفصل رأس ماري انطوانيت عن جسدها. غير أنّ باحثين آخرين يعتقدون بأنّ ماري أنطوانيت استطاعت الهرب ــ مع عائلتها ــ إلى إحدى الدّول الأوروبيّة المجاورة.

al-marzooqi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة