أبواب

أذان كورالي جميل

سالم حميد

تُعد مدينة دمشق أقدم عاصمة في العالم، وطالما سمعت عن جماليات ومعالم أبواب مدينة «الشام القديمة»، ومبانيها التاريخية، ولم أحظَ بفرصة مشاهدة تلك المنطقة التاريخية، إلا منذ بضعة أشهر بدعوة من أصدقاء أعزاء هناك، وتحتوي المنطقة على سبع بوابات تاريخية متواصلة مع سور دمشق التاريخي، أهمها باب توما وباب شرقي وباب السلام، تعود في الأصل إلى العهد الروماني، ثم تم تجديدها في العصر الأيوبي إبان الحروب الصليبية، أما الحارات والأزقة الداخلية القديمة، فتحتوي على مبانٍ ومعالم عريقة تعكس الإبداع المعماري الدمشقي القديم.

في أحد الأزقة الضيقة القريبة من الجامع الأموي لاحظت بعض السياح الغربيين يجلسون في مقهى خارجي صغير جداً ويدخنون الأرجيلة، فكان مشهد الأرجيلة مغرياً، فجلست بالقرب منهم لتجربة «الشيشة» الدمشقية، وبعد تبادل التحية سألتهم عن سبب الجلوس في هذا المكان الضيق على الرغم من أن الحارات في دمشق القديمة تحتوي على عشرات المطاعم والمقاهي والنُزل التراثية الجميلة، فقالوا: «نحن تعمّدنا الجلوس في هذا المكان القريب من الجامع الأموي لنستمع إلى صوت الأذان»! استغربت قولهم وتساءلت «وما المميز في أذان الجامع الأموي؟»، أجابوا «يبدو أنك سائح مثلنا، انتظر قليلاً، سيحين قريباً أذان العصر».

عندما رفع مؤذن الجامع الأموي الأذان، لاحظتُ مدى استمتاع السياح الغربيين بسماع الأداء الرائع للمؤذن، وأسلوبه الإنشادي العالي الذوق والتهذيب، فكان صوته عذباً رقيقاً ينساب بسهولة في أعماق النفوس، كأنها نغمات موسيقى هادئة، تعزف ألحاناً جميلة، ثم فوجئت بصوت آخر لمجموعة كورالية جميلة تردد خلف المؤذن كلمات الأذان على أنساق وأوزان إنشادية مختلفة تُشعر المستمع باتصال والتقاء الذهن مع الروح. بعد انتهاء الأذان عزمت الدخول إلى الجامع عند صلاة المغرب للاستماع مجدداً إلى الأذان الجميل من الداخل، وكان الجامع مزدحماً بعدد كبير من السياح من جنسيات مختلفة، وعندما حان موعد الأذان تكرر الإنشاد الجميل ومجموعة كورالية محترفة تردد خلف المؤذن العجوز الذي رغم قسمات الشيب البارزة في وجهه لايزال يحتفظ بصوت شجي وندي رائع بمعنى الكلمة، أبهر السياح، وازداد انبهارهم بصوت الإمام وهو يقرأ القرآن أثناء أداء الصلاة بصوت في غاية العذوبة. في الحقيقة، ما شاهدته في الجامع الأموي عبارة عن انعكاس لثقافة مجتمع يعتز بأصالته الجميلة.

لفت نظري خبر صحافي قبل أيام بعنوان «الأذان بدل الجلد»، حيث صدر حكم بديل عن الجلد على مواطن سعودي بقيامه برفع الأذان لمدة شهر في أحد المساجد في السعودية، وذلك لتستره على قضية سرقة! بغض النظر عن مدى قدرة هذا الشخص على رفع الأذان بطريقة احترافية مثل أي مؤذن آخر متمرس، إلا أنه وبكل تأكيد قادر على نطق مخارج كلمات الأذان بلغة عربية سليمة عكس ما لدينا في أغلب مساجد الإمارات، فعندما أصحو من النوم على صوت أذان الفجر من المساجد القريبة من منزلي لا أسمع سوى أصوات آسيوية ركيكة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة