يا جماعة الخير

سحوبات وجوائز

مصطفى عبدالعال

كم هو جميل أن تكون هناك مسابقات وسحوبات تنشّط الأسواق وتجلب السياح والمستثمرين، وقد أصبح هذا من معالم إماراتنا الحبيبة، وعلى الخصوص لؤلؤتها دبي، ولكن الأجمل أن يحرص المنسقون لهذه السحوبات على أن تكون حلالاً يباركها الله عز وجل.

ولأن القصد طيب عند المانح والممنوح، فجميل أن يرجع كلاهما إلى مصدر شرعي ليعرف إن كان هذا السحب مشروعاً، وبالتالي فيه نفع حقيقي، أو غير مشروع فتكون فيه خسارة فادحة.

كلام شائك أتحسس فيه اختيار الألفاظ، لأن الدافع ليس فضح عيب أو مهاجمة عادة، وإنما الهدف تحقيق الفائدة الحقيقية للطرفين، مع تجنب أن تكون معها نقمة ربانية.

كل الديانات حرّمت الربا والقمار، وهذا أمر بدهي يفهمه كل الناس، والله سبحانه ما حَرم شيئاً فيه خير قط، لكن ربما تسلل الربا أو القمار إلى معاملاتنا من دون أن نقصد أو نعلم، فقد أكسب سيارة فارهة ثم تكون سبباً في إزهاق روحي أو روح فلذة كبدي أو أي شخص آخر، فأقضي بقية عمري ضائعاً أو مديناً أو سجيناً، أو قد تتسبب الجائزة الكبرى في ضياع أخلاقي حين تفتح لي مجال الدخول إلى ساحات يديرها الشيطان، وعلى هذا فلابد أن أفهم أن المال الذي يأتيني عن طريقٍ حَرمه الدين لابد من أن يذهب ويأخذ معه الكثير، كما قال الشاعر:

جَمِعَ الحلالَ مع الحرامِ ليُكْثِرَه     دخل الحرامُ على الحلالِ فبعثرهَ

وحينئذ يكون تركه هو المكسب، وأخذه هو الخسارة، لمن يثق بوعد الله ووعيده وهو القائل {يَمْحَقُ اللّهُ الْربَا وَيُرْبِي الصدَقَاتِ}.

حرم الله كل عقد فيه اتفاق على مجهول، ويسمى «عقد غَرَرْ»، وهو الذي يعطي لطرفٍ أموالَ طرفٍ بغير مقابل، فأحد الطرفين مغبون والآخر أثرى من غير حق، ولست فقيهاً إنما ألفت النظر لنرجع في معاملاتنا إلى دار الإفتاء، لا سيما وقد خصصت كل كتب الفقه باباً يسمى باب المعاملات، يستوي في أحكامه بباب العبادات، فقد تكون بعض السحوبات فيها ربا أو مقامرة أو كلاهما معاً، أوالمقامر هو من يراهن ويقامر ويغامرليكسب على حساب غيره، وربما أضير وكسب على حسابه غيره، ووقتها سيجلس بحسرته حزيناً كئيباً، وكثيرة هي حوادث الانتحار والمشاجرات والسطو والقتل بين المقامرين، لما ترك القمار في صدورهم من غل وحقد أسود، وهذا من أهم أسباب أتحريم المقامرة.

وفرقٌ بين شركة تخصص من أرباحها جزءاً تعطيه طواعية حوافز لبعض عملائها عشوائياً، وشركة أخرى كل ما تفعله أن تجمع أموال المشاركين بالملايين وتعطي بعضهم- بسحوبات - جزءاً ضئيلاً ثم تأكل بقية الأموال على بقية المساهمين! ففريق دفع ولم يأخذ، وفريق أخذ ما لم يدفع، والشركة أخذت الملايين، هي خيوطأ رفيعة بين الحلال والحرام، وما أسهل الخروج من مهاويها بتعديلها إلى بديل مشروع لو راجعت جهة السحوبات دار الإفتاء، فتحقق غرضها من النفع المقصود ولكن بالحلال المنشود، فمن يطلب الخير يُؤته ومن يتق الشر يُوقَه، أما من رفض أن يسأل أهل الذكر والرجوع إلى الدين خشية منعه أو التعديل على فكره، فإنه وحده الملوم الظلوم لنفسه ولغيره.

المستشار التربوي لبرنامج «وطني»

mustafa@watani.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة