أبواب

المتفق والمختلق

سالم حميد

«شعر بني ياس التاريخي المتفق والمختلق» هو عنوان أحدث إصدار للباحث المجتهد في علم الأنساب والتراث الأستاذ عبدالله بن محمد المهيري، الذي طبعه كالعادة على نفقته الخاصة لعدم تبني أية جهة محلية مجهوده البحثي القيمّ، الذي يسلط الضوء على جوانب مهمة من التراث الشعري الإماراتي، وحقائق مغيبة كادت تنطمس لولا تصدي هذا البحث للأشعار المختلقة عن تاريخ بني ياس العريق، ولا أعتقد أن الباحث المهيري هو الإماراتي الوحيد الذي يعاني عدم ثقة بعض الجهات في نوعية مؤلفاته، بل هناك العديد من الباحثين الإماراتيين الشباب الذين لو أُعطوا الفرصة لأضافوا الكثير في حقل التأليف والدراسات التي تُعنى بالشأن المحلي، ولكن بعض الجهات المحلية فتحت أبوابها على مصراعيها لعشرات ومئات المؤلفين غير الإماراتيين، وطبعوا مئات العناوين، أغلبها غير قيّم، فكان انتصاراً للكمية على حساب النوعية، وها هي مؤلفاتهم مكدسة في المخازن الآن.

تحدثنا قبل بضعة أسابيع عن الدور الذي يلعبه المركز الوطني للوثائق والبحوث في تدوين التاريخ المحلي، وأودّ أن أضيف هنا أن المركز يعتمد معايير علمية دقيقة في تدوين التاريخ الشفاهي للابتعاد عن التاريخ المختلق، فبعض الباحثين يعتمدون التدوين الشفاهي بشكل مباشر من دون أدنى تمحيص في الحقائق، فهناك المروي عنه والمروي له والراوي والموضوع المُروى، ولاعتماد الرواية ينبغي لقاء الراوي مع المروي له وعنه لأن الراوي هو الوسيط بينهما ويزيد من صدقية الرواية، وتقل قيمتها العلمية في حال كانت منقولة من دون الوسيط أو مروية عن راوٍ سمعها من الراويين الأول والثاني وتتابعاً، وستكون عرضة للتغيير والتزييف وأقرب إلى الظن من الحقيقة، وكلما كثر عدد المرويات المنقولة المسموعة من راوٍ سمعها نقلاً عن آخر، والآخر سمعها منقولة عن آخر، فستكون الرواية مشكوك في صدقيتها، خصوصاً في حال وفاة الراوي الأصلي، كما أن الرواية تكون في أغلب الأحيان منحازة إلي أهواء الرواة الناقلين ولأغراضهم الخاصة بقصد أو من دون قصد، ومع مرور الزمن تكون الرواية أكثر عرضة للاختلاق، فكل رواية منقولة عن وعن وعن، تتم صياغتها حسب ما فهمها من سمعها.

أحد أشهر الأبحاث التاريخية المختلقة في الإمارات، استشهاداً بما رواه بعض كبار السن في منطقة «ليوا»، أن الشاعر الجاهلي عنترة العبسي أصوله تعود إلى الإمارات، وقبره أيضاً موجود في ليوا! استناداً إلى بيت من الشعر لعنترة ذكر فيها كلمة «الجواء»، التي تم ربطها بـ«ليوا»، ولكن هذا الاستناد اللغوي غير كافٍ لنسب عنترة إلى ليوا، كما أن عنترة ينتمي إلى قبيلة «بني عبس» المتفرعة من قبيلة «مضر» في صحراء نجد، ولكم أن تتخيلوا بُعد المسافة من ليوا إلى نجد وسط صحارٍ قاحلة، وبالعودة إلى شرح المعلقات نجد أن «الجواء» تعني منازل أهل معشوقته عبلة.

خلاصة القول: الاعتماد بشكل مطلق على البحث الشفاهي الميداني غير المسلّح بالدليل المادي الملموس بحث ناقص لا يُعتد به.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة