يا جماعة الخير

لا تقبل هديتي.. لو سمحت!

مصطفى عبدالعال

قد أهديك هدية، لأننا أصدقاء قدامى، أو أقارب، وبيننا مجاملات اجتماعية، أو قد أكون قصرت في حقك وجئتك بهدية معتذراً، أو لأنك قدمت إليّ معروفاً من دون سابق معرفة، ولا تنتظر مني جزاءً ولا شكوراً، فأسرتني بفضلك، فأحببت أن أشكرك، في مثل هذه الحالات لا ترد هديتي، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «تَهَادَوْا تَحَابوا»، وقال: «تَهَادَوْا فَإِن الْهَدِيةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصدْرِ». (مسند أحمد)

ولكني قد آتيك بهدية لتسهل لي بمركزك أو وساطتك ما ليس من حقي، ولو بمجرد تجاوز دوري في الانتظار، أو بزيادتي على غيري في حق مشروع كقرض أو مكافأةٍ أو حوافز، وغيري أكفأ وأحوج! أو.. أو..

وبالطبع سأقول لك: النبي قبل الهدية، وتهادوا تحابوا، وأنت يا رجل كريم فاقبل صداقتي ومحبتي، وقد أسلط عليك بالهدية إحدى موظفاتي المتمرسات! فهل أنت حقيقة تصدّق أمثالي من الذين يبحثون عمّن يكون على شاكلتهم ليعينهم على أكل الحقوق وانتهاك الحدود والتسلق على أكتاف الغير؟ أم أنك ستفهم حقيقة نظرتي إليك، وهي مراهنتي على أنك لست ملاكاً ولا عفيفاً، وأنك كغيرك من المرتشين؟

الآن وأنا في لحظة صدق مع نفسي - ربما كانت توبة من إثمي - أراجع نفسي وأقولها لك صراحة، إني كنت أحاول معك بكل الوسائل، وأستخدم كل الأساليب، وأمدحك بجميع المحامد حتى تقبل رشوتي التي أزعم كاذباً أنها هديتي، فإذا ما رأيت منك ليناً ظفرت بك، وإذا ما استجبت فرحت، لتحقق نظرتي فيك من البداية، وهي أنك معالي المرتشي الذي يرسم على الناس تمثيلية العفة، ثم أجعلك حديثي في كل المجالسأ ضمن من اشتريت ضمائرهم قبلك، واجعلك مضرب الأمثالأ، فتلك رغبتي التقت رغبتك، وبارك الشيطان لقاءنا فالتقينا.

ولكني اليوم أتوب مما جنيته عليك، وهزني فداحة ما أوصلتك إليه حين قرأت في البخاري أن رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللتَبِيةِ، فَلَما أحضرها وجَاءَ ليحَاسَبَهُ قَالَ الرجل: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيةٌ لي. وهنا قَالَ الرَسُولُ له: فَهَلا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمكَ، حَتى تَأْتِيَكَ هَدِيتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟ ثُم خَطَبَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْه، وقَالَ «أَما بَعْدُ، فَإِني أَسْتَعْمِلُ الرجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِما وَلانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيةٌ أُهْدِيَتْ لِي. أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمهِ حَتى تَأْتِيَهُ هَدِيتُهُ، وَاللهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقهِ إِلا لَقِيَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلأَعْرِفَن أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ (صوت الإبل)، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ». ثُم رَفَعَ يَدَهُ يَقُولُ «اللهُم هَلْ بَلغْتُ».

هذا رجل جلب الزكاة كاملة، ولم يظلم أحداً، فكيف بما حملتك إياه أنا وغيري مما تجاوز حمل الإبل والبقر، بل تجاوز حمل الأفيال؟ .. أنا جداً أعتذر إليك، فلا تقبل هديتي.. لو سمحت

المستشار التربوي لبرنامج «وطني»

mustafa@watani.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة