أبواب

جيل الألفية الثالثة

زياد العناني

قبل أيام وفي مهرجان مجاز للشعراء الشباب تعرفت إلى عدد من الشعراء الذين يحسبون على جيل الألفية الثالثة، واستمعت مثل غيري إلى قصائد قليلة، ولكنها كانت تمسك بتوهجات نص جديد وحماسة تتوثب لكي تؤكد نطقها.

كانت القصائد جديدة إلى الحد الذي يمكن القول معه إنها لم تترك نفسها لأصوات الكبار، ولم تستضف ما اجترحوه واحتفظت بيتم شعري أخاذ يبدو وكأنه خرج للتو، لا يتوسط بينه وبين الناس أحد، أي بلا آباء من حجر وطين وبلا ادعاء يمكن أن يخرجهم من عالم الشعر إلى ضآلة الصراع مع رموزه الميتة.

القصائد وحدها كانت تحلم وتشهق وتتمرد، والطريف أن المهرجان الذي تأسس بنقود شعراء عانوا شظف العيش كشف عن روح لم تكُ متوافرة في ما سبق، وهي روح الإيثار وتقديم الآخر على النفس، وكأن هؤلاء الشباب قد تخلصوا سلفاً من ثقافة الخوف والإقصاء ومن كل ما يمكن أن يقع فيه الشعراء من أخطاء تتعلق بضرورة استظهار الأفضل أو حتى المفاضلة الساذجة بين قصيدتي التفعيلة والنثر، وذلك لأن الأهم كان يتجمهر في إبراز الفضاء الواحد أو الفضاء المشترك الذي انجزوه بعيداً عن فضلة الشعر وبجمل حارة راحت تنتهك تخوم القديم وتتحاشى قداسته المجففة.

ثمة انتباه شعري جاد وواعد لم ينزح إلى أي معركة إضافة إلى رفض الاعتماد على المؤسسات الرسمية والروافع السياسية والحزبية، كما رفض الامتثال إلى إكراهاتها المعنوية أو المالية التي تأخذ من الشاعر أكثر مما تعطيه، وربما تحول الطاقات الكامنة فيه إلى غير مقاصدها ومبتغياتها.

لا نريد أن نمتدح قصائد هذا الجيل الجديدة ونقول إنها قامت على أنقاض قصائد كثيرة لمجرد أن يواصل المرء ثناءه، بقدر ما نريد أن نلفت إلى تجارب ليست قاصرة ولم تنهض لمدح أو إرضاء جهة أو عرف أو قتل أب أو أخ أو أخت، وإنما نهضت على اقتناص المؤلم وعلى فهم جمالي وذكاء شعري يتخطى حدود الهلوسة، ويؤكد أن الشعر هو المعنى وربما معنى المعنى، وأنهم تأثروا بالقصائد الجميلة أكثر من تأثرهم بالشعراء الذين ترسخت تجاربهم بحكم السن لا أكثر.

التحية كاملة إلى الشعراء الشباب: علي الزهيري، سلطان القيسي، بريهان الترك، رامي ياسين، محمد كمال، فوزي باكير، علاء أبوعواد، محمد المعايطة، أحمد يهوى، خلدون عبداللطيف، مهند السبتي، ولمهرجانهم الذي امتلك فضاءً ملائماً للشعر، وجمهوراً لم يخالطه الكسل فاتسع لكل مختلف ولم ينشغل بشعرية التضاريس أوالرخويات الغنائية أو حتى صلادة القضايا الكبرى التي مرت في القصائد بخفوت وبلا صراخ ولم تسرق عميم جهدها، مؤكدة أننا أمام قصائد اعتمدت على روح المغامرة في ملفوظها اليقظ وعلى إمكانات غير مكتشفة أبرزت شعرية جيل الألفية الثالثة أو الجيل الذي أخطأت المدونة النقدية - الميؤوس منها - بحقه، وعدم مبالاتها حين أعلنت موته بدلاً من الإعلان عن موتها.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة