أبواب

صرخة نوري الراوي

علي العامري

شاب في الـ،85 وصف ينطبق حقيقة على الفنان التشكيلي الرائد نوري الراوي، صاحب التجربة الكبيرة في حركة التشكيل العربي. وعلى الرغم من مقتضيات العمر، فإن الفنان الراوي لايزال مواظباً على الرسم والكتابة والتوثيق للثقافة العراقية، خصوصاً في مجال الفن التشكيلي.

الراوي رئيس جمعية الفنانين التشكيليين في العراق، أطلق صرخة مدوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المقتنيات والأعمال والكنوز الثقافية في العراق، ومن بينها أعماله الفنية، وأرشيفه الذي يضم آلاف الدراسات والمقالات والرسائل والصور والملصقات وأدلة المعارض، وهي توثيق لتفاصيل تصل إلى نحو 60 عاماً في تاريخ الفن العراقي.

الراوي أطلق صرخته في أذن منظمة «اليونسكو» عبر ست مذكرات أرسلها إلى مكاتب منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم، في بغداد وعمّان وبيروت ودمشق، مطالباً إياها بحماية تراثه الفني وأرشيفه من السرقة والضياع والتلف، خصوصاً أن الاحتلال الأميركي لبلاد الرافدين دمّر الأخضر واليابس، ولم يتوقف عند حدود قتل البشر، بل امتد إلى قتل المتاحف وتسميم الأنهار بقنابل، كان العراق، بشراً وأرضاً وحضارة وثقافة، مختبراً للعولمة المتوحشة. وقد نهبت آلاف الأعمال الفنية والقطع الأثرية والوثائق التاريخية، كما جرى تدمير معالم أساسية في هوية بغداد عاصمة الرشيد.

من بين الأعمال التي طالها النهب والتخريب والنار 15 لوحة للفنان نوري الراوي الذي يخشى أن تتكرر تلك الكارثة الكبرى، وأن يضيع رصيده من الأعمال الفنية والوثائق المهمة، ويمثل أرشيفه مشروعاً مضاداً لمشروع المحو الذي جاء به الاحتلال.

أطلق الراوي صرخة استغاثة إلى «اليونسكو» التي لم ترد ولم تستجب لتلك الاستغاثات المتتالية، وكأنها لم تسمع، مع أن أبرز مهامها ثقافي، يتعلق بمشروعات لحماية الإرث الإنساني من الاندثار والضياع والشطب والنهب. ولكن في حالة العراق يبدو أن الأمر مختلف، ويبقى السؤال قائماً: لماذا لم تتحرك المنظمة الدولية؟ وفي الوقت ذاته تبقى صرخة الراوي مجلجلة في الضمير الإنساني.

وإذا كان جلجامش في الأسطورة السومرية، لم يتمكن من الاحتفاظ بـ«عشبة الخلود»، فإن العراق امتلك «عشبة الفن» منذ آلاف السنين، ولايزال يحتفظ بها، وأصبح الفن بمثابة الألواح الجديدة لملحمة جلجامش. كما لايزال يحتفظ بملحمة التكوين البابلية «عندما في الأعالي» (اينوماإليش).

الراوي مؤسس المتحف الوطني للفن الحديث في عام ،1962 من حقه أن يخشى على أعماله الضياع والنهب والتلف، بوصفه علامة بارزة في تاريخ الفن العربي عموماً، والعراقي خصوصاً. ومن حق الراوي أيضاً أن توضع أعماله في متحف لتبقى شاهداً على إبداعه، ومن حقه أن تحمي «اليونسكو» إرثه الفني وأرشيفه الوثائقي، لتبقى ذاكرة الفن رصيداً للباحثين والأجيال الجديدة من الفنانين وعشاق الفن. ومن حق الراوي أن تنهض مؤسسات عربية، ومن بينها عراقية، بمهمة حماية إنجازاته وأرشيفه وتوثيق سيرته، إذ لم يبق سوى الفنانين نوري الراوي الذي ولد في عام ،1925 ومحمد غني حكمت المولود عام ،1929 من جيل الرواد الذين أسسوا للحركة التشكيلية في العراق.

صرخة الراوي لاتزال وستبقى تدوي في الأفق وفي الضمير، وستظل ذاكرة الفن وأعمال الفنانين مهددة بالضياع، إذا لم يستجب أحد لنداءات الاستغاثة التي أطلقها الراوي.

alilameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة