كل جمعة

عندما تشحّ الأمطار والأفكار

باسل رفايعة

تأخرت الأمطار كثيراً عن البلاد العربية هذا العام، فيما يعيش العالم عملياً عصر تغيّرات المناخ، وقد شهدت المكسيك هذا الأسبوع مؤتمراً حضرته 200 دولة للتعامل مع تبعات هذا التغير، لاسيما على الدول الفقيرة، وتستمر المؤسسات البحثية حول العالم ومراكز الأرصاد المتخصصة في دراسة الظاهرة، بعدما عاش بلد متجمد تاريخياً مثل روسيا قبل أشهر صيفاً حاراً، لا يختلف عن مثيله في الصحارى العربية.

لكنّ لانحباس الغيث عندنا أسباباً أخرى. فهذا هو أحد رموز الإسلام السياسي في بلد عربي لا يجد سبباً لتأخر المطر هذا العام سوى العري المنتشر على الشواطئ في بلده، وهو تجاهل كل الأسباب العلمية، ومعها ما شهده العالم من فيضانات وكوارث بيئية مرتبطة بالمناخ وتغيّراته المستمرة في السنوات الأخيرة، وقال لصحيفة «الحياة» الأحد الماضي، باطمئنان كامل، إن «التعري هو السبب» وأضاف إليه «ارتفاع الأسعار وانتشار الفساد».

لا أحد يقلّ عبقرية عنه سوى إمام جامع شهير في بلاد الشام اختلفَ معَهَ في الرأي، وأكد، لا فُض فوه، أن انحباس المطر لا سبب له سوى المسلسل التلفزيوني «ما ملكت أيمانكم» للمخرج السوري نجدت أنزور، الذي عرضته فضائيات عربية عدة.

لا حاجة إلى مراكز الأرصاد الجوية، وإنفاق المليارات سنوياً على البحوث العلمية المتعلقة بالتغيرات المناخية، فيكفي أن تحظر الدول العربية ارتداء ثياب البحر على الشواطئ، وتسيطر على ارتفاع الأسعار، فتنقذ العالم من الجفاف، ويكفي أن تمنع الفضائيات بثّ مسلسل نجدت أنزور، ولا بأس في أنْ يودع السجن مع كاتب المسلسل وممثليه وطاقمه، فتنتهي مشكلة الاحتباس الحراري، ويهطل المطر مدراراً على جفاف العرب، ثم نكون قد أسدينا أيضاً معروفاً لا يُنسى إلى العالم، وأرحناه من الاحتباس وأخطاره، من دون مؤتمرات علمية، ومليارات، وخلافه.

غير أن ذلك لم يحدث، فقد بقيت الشواطئ على حالها، وكذلك الأسعار، والمسلسل يُعاد بثه، ويشاهده الناس على الإنترنت أيضاً، ومع ذلك فقد هطلت زخات من المطر في الأيام الماضية، على معظم أنحاء الوطن العربي، وهو أمر كانت تتوقعه مراكز الأرصاد الجوية، إذ إن هناك مناطق في الكرة الأرضية تتأثر أكثر من غيرها بامتلاء الغلاف الجوي بالغازات، وما يتبع ذلك من احتباس حراري وتغيّرات مناخية جوهرية.

من محاسن الحظ أن كلام «الرمز السياسي» إيّاه، وإمام المسجد الشاميّ لا ينطلي إلا على قلة قليلة من عَوام الناس، التي تقف ضد ثياب السباحة، وضدّ مناقشة التاريخ ومعالجته درامياً، وتمارس حقها الكامل في ذلك، وكان عليهما أن يضعا كلامهما في سياق وجهة نظر، ربما اتفق معهما كثيرون، أمّا أن يجعلا من موقفهما الشخصي نظرية علمية قاطعة، ويجزم أحدهما أن مسلسلاً يكون قادراً على منع المطر عن أمة العرب والإسلام، فهذا لا يخدم سوى الجهل ذاته.

لا حاجة إلى تذكير من يستهويه الضرب على عواطف الناس، أن أوروبا تعاني ارتفاع سقوط الأمطار عليها سنوياً، مع أن لديها شواطئ عُراة، وثمن زجاجة الماء فيها يزيد على وجبة في بلادنا، والسينما لديها جسّدت السيد المسيح مراراً.

لكنْ تلك بلاد، تُناقش فيها الظواهر المناخية في المختبرات العلمية، وليس خارجها، حيث تشحّ الأمطار.. والأفكار.

baselraf@gmail.com

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة