أبواب

الباطنية العربية

خليل قنديل

استطاعت الفلسفة العربية الإسلامية عبر تاريخها، أن تنحت العديد من المصطلحات الفكرية والفلسفية، كالتقية والجبرية والقدرية والباطنية، التي سرعان ما تحولت جميعها تاريخياً إلى مدارس ومذاهب وحتى إلى طوائف.

والغريب أن مثل هذه المصطلحات استطاعت، عبر السكوت عنها تاريخياً وعدم مواجهة اشتراطات حيثياتها، إلى مواصفات تأخذ سمة التأبيد في الشخصية الإسلامية عموماً، وفي الشخصية العربية على وجه التخصيص، حد المرض الذي تغلغل في الروح ويصعب الشفاء منه.

والباطنية بوجه خاص، من أكثر المصطلحات تمزيقاً للشخصية العربية وانفصاميتها المتشظية عبر التاريخ، وعلى الرغم من أن القرآن الكريم كان أول من وضع الباطنية في سياقها التأنيبي الديني، حينما وسم أصحابها بالمنافقين، «الذين يظهرون غير ما يبطنون»، إلا أن علم الاجتماع العربي الإسلامي أعلن عن راية المسكوت عنه حيال هذه الظاهرة المستشرية في كل الأشكال والمواصفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للشخصية العربية.

وفي الاقتراب من المشهد الباطني العربي نقول إن السياسي العربي يحرص تمام الحرص على النهج الباطني في التعامل مع قضايا مصيرية تتطلب منه النطق بوضوح كامل عن تفاصيلها. ولهذا يظل النظام السياسي العربي الطازج الذي جاء على دبابة انقلابية، يعمل على فضح المسكوت عنه في ممارسات النظام المقبور، مستنداً إلى تلك الباطنية التي كان يتستر خلفها النظام. وبالطبع هذا لا يعفي النظام الجديد من توليد ساتره الفولاذي كي يمارس خلفه باطنيته الطازجة.

ولعل التاريخ المستقبلي للأجيال العربية الحالية، سيكشف لها حجم الباطنية التي يتستر خلفها السياسي العربي، ليضع هذه الأجيال أمام فضائح يندى لها الجبين النضالي.

والأمر ذاته ينطبق على الباطنية الاقتصادية العربية، التي يقوم روادها ورموزها على «الكومشن»، والصفقات السرية التي لا ترحم، ولا تفكر في العواقب التي ستنتجها مثل هذه الصفقات التدميرية على بيت المال العربي والإسلامي. ولأن الصفقات عادة ما تتم في مطارات بعيدة، فإنه يصعب على المواطن العربي أن يكتشف الخبايا المؤذية لمثل هذه الباطنية الاقتصادية.

والباطنية الاقتصادية تنعكس أيضاً على المساعدات الدولية التي تجيء لدعم وطن، ولكنها سرعان ما تشخصن بأساليب الباطنية الماكرة.

أما على صعيد الباطنية الثقافية، فحدث ولا حرج عن الضغائن الثقافية التي تظل نائمة إلى أن يحين الوقت الموضوعي والمناسب للإعلان عنها، لتكشف عن حجم الباطنية التي كانت تتستر في أحشائها وجهة النظر الحقيقية إزاء هذا المثقف أو ذاك.

وكثر هم ضحايا الجلطات من المثقفين العرب والكتّاب والمبدعين، الذين قتلتهم مثل هذه الباطنية حينما خلعت جلدها المنافق الأملس، وعبّرت عن رأيها الحقيقي.

والباطنية التي اتسعت دائرتها لتشمل العلاقات الإنسانية العربية أيضاً تحولت إلى كابوس، يلجم تحضرنا وانفتاحنا الحقيقي على بعضنا، وتلكم هي كارثتنا الحقيقية.

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة