أبواب

تطبيع «الأغيار»

زياد العناني

بعد أن فشلت معاهدات السلام مع اسرائيل على الصعيد الشعبي، وأخفقت الجهود السياسية للدول الكبرى والصغرى في تحويلها إلى واقع قانوني، تحاول وزارة الخارجية الإسرائيلية الآن عقد مؤتمر«أدباء من أجل السلام» في مدينة حيفا يشارك فيه عدد من الكتّاب العرب المغتربين بحجة تجاور الديانات وسبل تعايشها، وضمن شعارات زائفة غير مفهومة ولا يمكن احتمالها.

كتّاب عرب ومن داخل فلسطين، أو الخط الأخضر، وافقوا على المشاركة في هذه التظاهرة التي تقيمها وزارة لم تعترف ولن تعترف بحق الفلسطينيين بأرضهم، مع علمهم الأكيد أنهم من «الأغيار» الذين قدّرت لهم المشاركة في مؤتمر يريد رسم هوية اسرائيل الثقافية على حساب هويتهم.

ليس من سبب يبرر كمية السواد في هذه المشاركة أو الدخول في هذا النفق المريب سوى أن هؤلاء الكتّاب مجموعة من خاملي الذكر ضجروا من موقعهم في خانة «الكتّاب الكسبة» فأرادوا مواقع أخرى لا توفرها لهم ركاكة نصوصهم، فكانت المجازفة في الاصطفاف مع جهة حاولت، ولاتزال، تدمير قلعة الصمود العربي من داخلها معتمدة على هؤلاء «الأغيار» الذين فقدوا صلاتهم مع أنفسهم قبل أن يفقدوها مع عروبتهم.

لاتزال ملامح الشاعر سميح القاسم واضحة في الذاكرة وهو يرد علينا ونحن نسأل في قاعة صحيفة «الغد»، عن اتهامات وجهت له بالتطبيع مع إسرائيل اثر مشاركته في احياء ذكرى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، وكيف انه قفز هارباً من منطقة السؤال بسرعة الضوء إلى الإعلان عن موقفه وهو يقول «لو طبع كل العرب، يبقى شخص واحد في الجليل اسمه سميح القاسم لن يطبّع، وذلك لأسباب شخصية جداً». من دون أن يجيب عن سؤال المشاركة الذي ظل معلقاً في فراغ القاعة، والقاسم يكرر بحرج بالغ «إسرائيل لم تنشأ لاحتلال فلسطين وتشريد شعبها أو الاعتداء على أي بلد عربي، وإنما أقيمت لهدف واحد فقط، هو إغاظة سميح القاسم»!

غير أن القاسم الذي رفض المشاركة قبل أيام في مؤتمر «أدباء من أجل السلام»، استذكر مرارة المشاركة الأولى وأدرك بعدها فداحة الخطأ وحجمه حين استقر في وعيه بوصفه شخصية اعتبارية غرر بها فأحدثت خرقاً لا يغتفر في قلعة ممانعة التطبيع من خلال مشاركة القتلة في البكاء في حفل تأبين قتيل أراد السلام لشعبه وعلى حساب فلسطين وشعبها.

بغض النظر عن السقطات التي حدثت أو التي ستحدث دائماً فإن التطبيع مع الكيان الصهيوني خيانة لحم وعظم، والتعاون الثقافي مع هذا الكيان هو في حد ذاته جريمة لا يجوز أن يتورط فيها بعض المثقفين العرب مهما كانت الأسباب، مادامت فلسطين محتلة ومادامت الثوابت العربية هي الثوابت نفسها.

وتبعاً لذلك ولأن التطبيع لا يخدم إلا أصحابه، فلن نناشد هؤلاء «الأغيار» السذج رفض المشاركة في هذه الجريمة لأنهم حسموا أمورهم وقبضوا نقودهم وتذاكر السفر، ولكننا سنقول لهم: من يريد أن يبيع نفسه فعليه أن يذهب إلى سوق النخاسة بمفرده وبجسده الشخصي، ومن دون أن يأخذ معه هوية الأمة أو خريطة الوطن.

  zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة