أبواب

العمل الملائم

زياد العناني

كثيرة هي الدعوات التي تتكرر الآن لاستثمار الوقت عند الشباب،أ وإحياء وتجذير قيم العمل لديهم، غير أن هذه الدعوات تذهب هدراً حين تقابلها على الطرف الآخر مواضعات جامدة لا تنبذ لعنة العيب الموجودةأ في مساحات الذاكرة الشعبية، التي تدحض إنسانية بعض الأعمال بطريقة مغرضة تدل على أننا في الوطن العربي لم نصل بعد إلى ملامح استقرار إنساني متحقق لا يعكس طبيعة العمل على العامل، ولا يفرز له خصيصة اجتماعية تهبط به إلى الدرك الأسفل،أ بناء على بساطة العمل الذي يؤديــه.

ثمة اعتقاد راسخ يقلل من شأن العمل اليدوي، ويرفع من قيمة العمل العقلي، وهو اعتقاد ساذجأ إذا أدركنا أن العالم لا يتسع لمن يفضلون العمل من خلال وظيفة المنظر، أو المستشار، أو المدير الكبير في الوظائف الحكومية، والأنكى من هذا وذاك أن هذا الاعتقادأ أوجدأ بعض المهن التيأ يعاقب المرء عليها من خلال حشره في مسمياتأ ليست عقلانيةأ تصل احياناً إلى حد السخرية، كان يُقال هذا عامل نظافة، وهذا مراسل سائق بالأجرة على اعتبار أن المهندس بناء يقود الطبيعة بكل تجلياتها، وأن عامل النظافة ليس له أي مكان في العمارة الإنسانية، ولا يقدم خدمة جمالية تحتم علينا القول إن تجليات المهندس يمكن أن تتحول إلى مزبلة من الداخل والخارج من دون جهود هذا العامل الخيرة.

ثمة جاهليةأ نوستالجية وماضوية ايضاأ لم تغادرنا بعدأ تعتمد على «النكاية»، ولها توصيفات انطباعيةأ تمنع الآباء والأبناء والأهل والأصدقاء من تقبل فكرة أن الكون لا يدار بيد واحدة، وأن العمل لا يحتاج إلى رخصة اجتماعيةأ للمزاولة،أ بقدر ما يحتاج إلى قناعة تامة هي التي تفرق بين «نادل ودي وخدوم بوجه طلق»، وآخر يقذف الأطباق فوق الطاولة بنزق، وربما بحقد على ظروفه التي لم تجعله ضمن القوى المثيرة للاهتمام، وفي وظيفة عليا، معتبراً أن خدمته تجرح الكبرياء، وأن دوره المغلفأ بالإحباط لن يجلب الرضا، وربما يستمر في إخفائه، أو اللجوء إلى البطالةأ انتظاراً لوظيفة ملائمة له، أو ملائمة للجميعأ قد لا تتوافر لأعوام عدة مقبلة.

بهذه الطريقة تقريباً نغتال روح الكد في شخصياتنا، ونصر على الحلول في وظائف مسروقةأ تفتحأ في الحيّز العام حصراً لمن يملأ فراغها باختصاصه وتجاربه وخبرته الغنية، بمعنى أنها ليست مكرمة أو بطالة مقنعة لا تحتاج إلىأ شروط إنتاج ومهارة، وفي طياتها يمكن أن للمكرم فيها أن يستغل الناس، ويمكن أن ينسىأ أنأ العمل فرصة لكي ينتجأأ نفسه خارج ذاته وشروط وجوده، ويتعفف عن سؤال الناس والمؤسسات ويضيف عبئاً آخر للعبء المرميّ عليهم.

على الأرجح ان المأزق لا يكمن في جهة محددة، بل في حركية المجتمع العربي، وفي الحكومات الاسترضائية وفي الشخص الذرائعيأ نفسه، وهو مأزق ناجم عن كل هذه التباينات التيأ دفعت بنا إلى هذه الحالة الملتبسة، وجعلتنا نعيش تحت وطأة البطالة، أو النوم الطويل فيأ أحضان البطالة المقنعة.

zeyad_alanani@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة